الغرفة رقم 17

الغرفة رقم 17

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الغرفة رقم 17

البداية

لم أكن أؤمن بالأمراض النفسية الغريبة، ولا بالهلاوس التي يتحدث عنها الناس في المنتديات المظلمة على الإنترنت. كنت أظن أن كل شيء له تفسير علمي، وأن العقل مهما تعقد يظل مجرد آلة يمكن فهمها.

لكن ما حدث لي قبل ثلاث سنوات حطم كل ما كنت أؤمن به.

انتقلت إلى شقة صغيرة في بناية قديمة على أطراف المدينة. كانت رخيصة بشكل مثير للريبة، لكنني كنت بحاجة إلى مكان هادئ أكتب فيه رسالتي الجامعية. أخبرني صاحب العقار أن المستأجر السابق غادر فجأة، ولم يهتم بإعطاء تفاصيل أكثر.

في الليلة الأولى، كان كل شيء طبيعيًا. أصوات السيارات البعيدة، أزيز الثلاجة، وصوت الرياح وهي تضرب النوافذ القديمة. لكن عند الثالثة فجرًا، استيقظت فجأة دون سبب واضح.

شعرت أن هناك شخصًا يقف داخل الغرفة.

لم أرَ أحدًا، لكن ذلك الإحساس كان قويًا بشكل لا يمكن وصفه. كأن عينين ثابتتين تحدقان بي من مكان ما في الظلام.

أشعلت الضوء بسرعة.

لم يكن هناك شيء.

أول علامة

في الأيام التالية بدأت ألاحظ أمورًا صغيرة.

كنت أضع كوب القهوة على المكتب، ثم أجده بعد دقائق فوق الرف. أعلق مفاتيحي قرب الباب، ثم أجدها داخل المطبخ.

في البداية ظننت أنني أنسى بسبب الضغط النفسي. لكن الأمر تطور.

ذات ليلة، فتحت هاتفي لأتفقد الوقت، فوجدت صورة لم ألتقطها أبدًا.

كانت صورة لغرفتي.

الصورة التُقطت من زاوية مرتفعة قرب السقف، وكأن شخصًا يقف هناك وينظر إليّ.

والأسوأ أنني كنت ظاهرًا في الصورة.

كنت نائمًا.                                                     image about الغرفة رقم 17

تجمد الدم في عروقي.

تفحصت الهاتف مرات عديدة. تاريخ الصورة كان قبل ساعة فقط بينما كنت نائمًا بالفعل.

أخبرت نفسي أن هناك خللًا ما. ربما صورة قديمة انتقلت إلى الجهاز بطريقة غريبة.

لكنني كنت أكذب على نفسي.

كنت أعرف ذلك في أعماقي.

الأصوات

بعد أسبوع بدأت أسمع همسات.

لم تكن واضحة. مجرد كلمات متقطعة تأتي من خلف الجدران.

أحيانًا أسمع اسمي.

وأحيانًا أسمع صوتًا يشبه صوتي تمامًا.

في إحدى الليالي وضعت أذني على الحائط لأتأكد من أن الجيران يتحدثون.

عندها سمعت جملة كاملة.

"إنه يسمعنا."

ابتعدت فورًا.

ثم ساد الصمت.

في اليوم التالي سألت الجيران إن كانوا قد سمعوا شيئًا الليلة الماضية.

نظروا إليّ باستغراب.

الشقة المجاورة كانت فارغة منذ أشهر.

المذكرات القديمة

بينما كنت أنظف الخزانة، وجدت دفترًا قديمًا مخبأ خلف لوح خشبي.

كان مليئًا بملاحظات كتبها المستأجر السابق.

في البداية كانت كتاباته طبيعية.

ثم بدأت تتغير.

كان يكرر جملة واحدة عشرات المرات:

"لا تنظر إلى المرآة بعد الثالثة."

ثم صفحات كاملة مليئة برسوم لوجوه مشوهة.

وفي الصفحة الأخيرة وجدت شيئًا جعل معدتي تنقبض.

كانت هناك قائمة تواريخ.

كل تاريخ بجواره كلمة واحدة:

"شاهده."

وفي أسفل الصفحة كان آخر تاريخ هو يوم انتقالي إلى الشقة.

وكأن الرجل كان يعرف مسبقًا أنني سأأتي.

المرآة

في تلك الليلة بقيت مستيقظًا حتى الثالثة.

وضعت المرآة أمامي وجلست أراقب انعكاسي.

مرت عشر دقائق.

ثم عشرون.

لم يحدث شيء.

بدأت أشعر بالسخرية من نفسي.

لكن عندما نظرت إلى هاتفي للحظة ثم رفعت عيني مجددًا نحو المرآة، شعرت بأن قلبي توقف.

انعكاسي لم يكن ينظر في الاتجاه نفسه.

كان ينظر إليّ مباشرة.

أما أنا فكنت أنظر إلى جانبه.

استمر الأمر أقل من ثانية.

ثم عاد كل شيء طبيعيًا.

قفزت من مكاني واصطدمت بالطاولة.

كنت أرتجف بعنف.

أقنعت نفسي أن ما رأيته خداع بصري.

لكن في أعماقي كنت أعلم أن شيئًا ما داخل المرآة نظر إليّ.

الانهيار

بدأ نومي يختفي تدريجيًا.

كلما أغمضت عيني رأيت أشخاصًا يقفون قرب سريري.

وجوههم بلا ملامح.

أجسادهم ثابتة.

ينظرون نحوي بصمت.

أحيانًا أستيقظ فأجدهم ما زالوا هناك لثوانٍ قبل أن يختفوا.

لم أعد أعرف متى أحلم ومتى أكون مستيقظًا.

بدأت أكتب كل شيء في دفتر.

كل صوت.

كل صورة.

كل شعور.

ثم اكتشفت شيئًا مرعبًا.

بعض الملاحظات لم أكتبها أنا.

كانت بخط يدي تمامًا.

لكنني لا أتذكر كتابتها.

إحدى الجمل كانت تقول:

"لا تخبرهم أنني استيقظت."

عندما قرأتها شعرت بدوار شديد.

من هو "أنا" الآخر الذي يتحدث داخل دفتري؟

الحقيقة

قررت تركيب كاميرا مراقبة داخل الغرفة.

كنت أريد دليلًا.

أي دليل.

في الصباح التالي جلست أشاهد التسجيل.

في البداية لم يكن هناك شيء غريب.

كنت نائمًا فقط.

ثم عند الساعة 3:07 فجرًا حدث الأمر.

جلست فجأة فوق السرير.

لكنني لم أكن مستيقظًا.

كانت عيناي مفتوحتين، نعم، لكن وجهي كان بلا أي تعبير.

نهضت ببطء.

ثم اقتربت من الكاميرا.

اقتربت أكثر.

حتى امتلأت الشاشة بوجهي بالكامل.

عندها ابتسمت.

ابتسامة لم أبتسمها في حياتي.

ثم تحدثت.

قال الشخص الذي يحمل وجهي:

"لقد بدأ يشك."

بعدها نظرت مباشرة إلى العدسة وأضافت:

"لا تدعه يرى الباقي."

وانقطع التسجيل.

ليس بسبب خلل.

بل لأن شخصًا ما ضغط زر الإيقاف.

النهاية

تركت الشقة في اليوم نفسه.

انتقلت إلى مدينة أخرى.

بدأت العلاج النفسي.

قال الأطباء إنني كنت أعاني من اضطرابات مرتبطة بالإجهاد والحرمان من النوم.

حاولت تصديقهم.

وأحيانًا أنجح.

لكن هناك شيء واحد لم أستطع تفسيره حتى الآن.

قبل عدة أشهر، بينما كنت أرتب أوراقي القديمة، وجدت صورة داخل أحد الكتب.

لم أتذكر رؤيتها من قبل.

كانت صورة لغرفتي الحالية.

التقطت من زاوية مرتفعة قرب السقف.

وكنت ظاهرًا فيها.

نائمًا على السرير.

وعلى الجدار خلفي كُتبت جملة بخط باهت بالكاد يُرى:

"الغرفة رقم 17 لم تتركك أبدًا."

ومنذ ذلك اليوم، كل ليلة عند الثالثة فجرًا، أستيقظ على الإحساس نفسه...

إحساس أن أحدًا يقف في زاوية الغرفة المظلمة، يراقبني بصمت، وينتظر اللحظة التي ألتفت فيها نحوه أخيرًا.

image about الغرفة رقم 17

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
yasmen تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-