الساعة التي لا تتوقف عن العدّ

الساعة التي لا تتوقف عن العدّ

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الساعة التي لا تتوقف عن العدّ

 

في أحد الأحياء القديمة الهادئة، كانت هناك عمارة شبه مهجورة، لا يسكنها إلا عدد قليل من الأشخاص الذين اعتادوا الصمت أكثر من الحياة. لكن الطابق الثالث تحديدًا كان دائمًا مثار خوف، ليس لأنه مغلق أو ممنوع، بل لأن كل من حاول السكن فيه خرج منه فجأة دون تفسير، وبعضهم لم يعد يتحدث عن تجربته أبدًا.

“محمود” شاب في أواخر العشرينات، انتقل إلى الشقة رقم 12 بعد أن وجد إعلانًا غريبًا بسعر منخفض بشكل غير منطقي. عندما سأل عن السبب، قيل له إن “المكان يحتاج فقط إلى شخص لا يخاف من الوحدة”، جملة لم يفهم معناها إلا لاحقًا.

عند دخوله الشقة، لاحظ أن كل شيء قديم لكنه مرتب بشكل غير طبيعي، كأن أحدهم ترك المكان قبل دقائق فقط. في منتصف الصالة كانت هناك ساعة حائط خشبية ضخمة، متوقفة عند 11:59. رغم أنها غير موصولة بالكهرباء، كانت تبدو وكأنها جزء أساسي من المكان، ولا يمكن إزالتها.

في الليلة الأولى، استيقظ محمود على صوت خافت: “تك… تك…”. ظن أنه وهم، لكن الصوت كان واضحًا ويأتي من الصالة. عندما خرج، وجد الساعة تعمل بالفعل، رغم أنها كانت متوقفة منذ لحظات.

في الليلة الثانية، لاحظ أن عقرب الثواني لا يتحرك بشكل طبيعي، بل يقفز قفزات صغيرة غير منتظمة. ومع كل “تكّة”، يشعر بانخفاض مفاجئ في درجة الحرارة، وكأن الهواء نفسه يتجمد للحظة قصيرة.

مع مرور الأيام، بدأت أشياء أكثر غرابة تحدث: أبواب تُغلق دون سبب، أصوات خطوات في الممر الفارغ، وانعكاساته في المرآة تتأخر عنه جزءًا من الثانية. لكن الأمر الأكثر رعبًا هو أن الساعة كانت لا تقيس الوقت، بل تعدّ شيئًا آخر لا يستطيع فهمه.

في الليلة الخامسة، انقطعت الكهرباء عن المبنى بالكامل، ومع ذلك بقيت الساعة تعمل، بل أصبح صوتها أعلى وأسرع. “تك… تك…” لم يعد مجرد صوت، بل أصبح كأنه نبض حي داخل الجدران.

حاول محمود مغادرة الشقة فورًا، لكن الباب كان مغلقًا من الخارج بطريقة مستحيلة، والنوافذ أصبحت ثابتة كأنها جزء من الجدار. ومع ازدياد محاولاته، كانت الساعة تزداد سرعة بشكل مخيف.

فجأة، عمّ صمت كامل المكان. توقفت كل الأصوات، حتى تنفسه أصبح مسموعًا. ثم بدأت الساعة تدق 12 مرة متتالية، كل دقة أقوى من التي قبلها، حتى اهتزت الجدران.

عند الدقة الأخيرة، اختفى محمود تمامًا دون أثر، وكأن وجوده تم محوه من الواقع.

في اليوم التالي، عاد سكان العمارة ليجدوا الشقة كما هي، مرتبة وهادئة، لكن الساعة كانت متوقفة عند رقم غير مفهوم، كأنه ليس رقمًا بشريًا أصلًا.

لكن الغريب أن الصوت عاد في الليل… من شقة أخرى في نفس الطابق:

“تك… تك…”

وكأن العدّ لم ينتهِ، بل انتقل إلى ضحية جديدة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Hamdallah Elhawary تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-