همسات خلف الباب الأسود

همسات خلف الباب الأسود
كان "سليم" شابًا في الثانية والعشرين من عمره، يعيش في قرية صغيرة تقع على أطراف غابة كثيفة. منذ طفولته، كان يسمع قصصًا غريبة عن منزل قديم مهجور يقف وحيدًا وسط الأشجار. كان أهل القرية يتجنبون الاقتراب منه، خصوصًا بعد غروب الشمس، ويؤكدون أن أصوات همسات غامضة تخرج منه كل ليلة.
لم يكن سليم يؤمن بالخرافات، وكان يعتقد أن كل تلك الحكايات مجرد أوهام تناقلها الناس عبر السنين. وفي إحدى الليالي الممطرة، قرر أن يذهب إلى المنزل بنفسه ليكتشف الحقيقة.
وصل إلى المكان بصعوبة وسط الرياح والأمطار. كان المنزل يبدو أكثر رعبًا مما تخيل؛ نوافذه مكسورة، وجدرانه مغطاة بالطحالب، وسقفه يكاد ينهار. لكن أكثر ما لفت انتباهه كان بابًا أسود ضخمًا في نهاية الممر الداخلي.
عندما دخل المنزل، شعر ببرودة غير طبيعية تسري في جسده. أضاء مصباحه اليدوي وتقدم ببطء. كانت الأرضية تصدر أصوات صرير مع كل خطوة. وفجأة سمع همسة خافتة خلفه.
توقف.
التفت بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا.
حاول إقناع نفسه بأن الصوت كان نتيجة الرياح، وتابع طريقه نحو الباب الأسود.
كلما اقترب منه، ازدادت الهمسات وضوحًا. لم يكن قادرًا على فهم الكلمات، لكنها بدت وكأن عشرات الأشخاص يتحدثون في الوقت نفسه.
وصل أخيرًا إلى الباب ومد يده المرتجفة نحو المقبض الصدئ. وما إن لمسه حتى توقفت الهمسات فجأة.
ساد صمت ثقيل.
ثم انفتح الباب ببطء من تلقاء نفسه.
خلف الباب كانت غرفة مظلمة تمامًا. دخلها بحذر وسلط ضوء المصباح حوله. لم يكن هناك أثاث أو نوافذ، فقط جدران سوداء مليئة بخدوش غريبة تشبه آثار أظافر بشرية.
وعلى أحد الجدران وجد عبارة مكتوبة بلون أحمر باهت:
“لا تستمع إلى الصوت إذا نادى باسمك.”
شعر بقشعريرة قوية، لكنه حاول تجاهل الأمر. وبينما كان يقرأ العبارة، سمع صوتًا واضحًا جدًا خلفه يقول:
“سليم...”
تجمد في مكانه.
كان الصوت يشبه صوت والدته تمامًا.
استدار بسرعة، لكن الغرفة كانت فارغة.
ثم سمعه مرة أخرى.
“سليم... ساعدني.”
بدأ قلبه ينبض بعنف. كان يعلم أن والدته في المنزل، وأن ما يسمعه لا يمكن أن يكون حقيقيًا.
حاول الخروج من الغرفة، لكنه اكتشف أن الباب اختفى.
تحولت الجدران السوداء تدريجيًا إلى وجوه بشرية مشوهة تخرج منها عيون بيضاء فارغة. بدأت الوجوه تهمس بكلمات غير مفهومة، ثم أخذت تردد اسمه مرارًا وتكرارًا.
“سليم... سليم... سليم...”
ركض في أرجاء الغرفة بحثًا عن مخرج، لكن المكان بدا وكأنه يتمدد بلا نهاية.
وفجأة ظهرت أمامه فتاة صغيرة ترتدي فستانًا أبيض قديمًا. كانت تنظر إليه بعينين سوداوين بالكامل.
قالت بصوت هادئ:
“لقد استمعوا جميعًا إلى النداء... والآن أصبحوا جزءًا من المنزل.”
وأشارَت إلى الجدران.
عندها أدرك أن الوجوه التي تحيط به كانت لأشخاص حقيقيين اختفوا عبر السنوات.
حاول الصراخ، لكن صوته اختفى.
ثم بدأت الأيدي تخرج من الجدران وتمسك بذراعيه وساقيه. قاوم بكل قوته، لكنه لم يستطع الإفلات.
كانت الهمسات تزداد قوة حتى أصبحت صراخًا مرعبًا يهز أرجاء الغرفة.
وفي اللحظة الأخيرة، تذكر مصباحه اليدوي وألقاه بقوة نحو إحدى الوجوه. انفجر الضوء داخل الغرفة، وانبعث وميض أبيض هائل أجبر الكائنات على التراجع.
ظهر الباب من جديد.
ركض سليم بكل ما يملك من قوة وقفز خارجه قبل أن يغلق الباب الأسود بعنف خلفه.
خرج من المنزل مذعورًا ولم يتوقف عن الركض حتى وصل إلى القرية.
في صباح اليوم التالي، عاد بعض السكان معه ليروا ما حدث.
لكن المفاجأة كانت أن المنزل اختفى تمامًا.
لم يبقَ منه أي أثر.
إلا أن سليم ظل يسمع كل ليلة، قبل أن ينام، همسات خافتة تأتي من مكان مجهول.
وفي بعض الأحيان…
كان يسمع صوت الفتاة الصغيرة يقول:
“الباب سيعود قريبًا... ونحن ننتظرك.”