خيوط لا تُرى

خيوط لا تُرى

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about خيوط لا تُرى

الفصل الأول: الغريبة التي أوقفت الصفقة

الجزء الأول

لم تكن حنين عمراني تحب المطارات. رغم أنها سافرت أكثر من مرة خلال سنوات دراستها وعملها، إلا أن المطارات كانت دائماً تترك داخلها شعوراً غريباً يصعب تفسيره، ربما لأنها أماكن تجمع بين النهايات والبدايات في الوقت نفسه؛ أشخاص يودعون، وأشخاص يلتقون، وأشخاص يتركون خلفهم حياة كاملة أملاً في حياة جديدة.

كانت تقف الآن وسط صالة الوصول في مطار القاهرة الدولي، ممسكة بمقبض حقيبتها بإحكام بينما تتحرك من حولها عشرات الوجوه المختلفة؛ أصوات متداخلة، إعلانات متكررة، خطوات متسارعة، ولهجة مصرية تسمعها مباشرة للمرة الأولى خارج شاشات التلفاز.

رفعت رأسها قليلاً، ثم تنهدت:

— بسم الله.

همست بها لنفسها قبل أن تبدأ في التحرك نحو المخرج. لم يكن في انتظارها أحد، ولم تكن تتوقع ذلك أصلاً؛ هي من اختارت أن تأتي وحدها، وهي من أصرت أن تبدأ حياتها الجديدة دون الاعتماد على أحد.

اهتز هاتفها داخل حقيبتها، فأخرجته بسرعة، وبمجرد أن رأت الاسم المضيء على الشاشة ابتسمت تلقائياً: "حنان". ضغطت زر الإجابة:

— ألو؟

جاءها صوت أختها فوراً:

— وصلتي ولا مازال؟

ضحكت حنين وهي تجر حقيبتها خلفها:

— هذا وين وصلت.

— وكيفاش لقيتي مصر؟

نظرت حولها ثم قالت:

— ما شفت والو لحد الآن غير المطار.

— ابعثيلي تصاور.

— خليني نخرج الأول يا بنت الناس.

— المهم ما تنسايش.

— ما ننساش.

أنهت المكالمة وهي تهز رأسها مبتسمة. حنان لن تتغير أبداً مهما كبرت ومهما مرت السنوات؛ ستبقى الأخت المزعجة التي تملأ حياتها بالضجيج والدفء في الوقت نفسه.

خرجت أخيراً من المطار، فاستقبلها هواء القاهرة الدافئ وأصوات السيارات التي بدت وكأنها لا تتوقف أبداً. توقفت للحظة تنظر إلى المدينة الممتدة أمامها؛ مدينة لا تعرف عنها سوى ما قرأته وما شاهدته، لكنها منذ هذه اللحظة ستصبح جزءاً من حياتها. ولم تكن تعلم أن هذه المدينة تخبئ لها لقاءً سيغير كل شيء.

الجزء الثاني

استوقفت حنين إحدى سيارات الأجرة بعد دقائق قليلة. ساعدها السائق في وضع حقيبتها داخل صندوق السيارة قبل أن يسألها:

— على فين يا أستاذة؟

أعطته عنوان الفندق، فأومأ برأسه وانطلق وسط حركة المرور التي بدت لها في البداية أقرب إلى فوضى منظمة. جلست قرب النافذة تراقب كل شيء؛ اللافتات المضيئة، المباني المتراصة، المحال المفتوحة رغم اقتراب المساء، والناس... الناس كانوا في كل مكان، وكأن المدينة لا تعرف معنى التوقف.

مرّت عدة دقائق وهي غارقة في التأمل حتى قطع السائق صمتها:

— أول مرة في مصر؟

التفتت إليه:

— باين عليا؟

ضحك الرجل:

— شوية.

ابتسمت:

— أول مرة فعلاً.

— سياحة؟

هزت رأسها:

— لا، جيت نخدم.

رفع حاجبيه:

— تشتغلي يعني؟

— أيوه.

— ربنا يوفقك.

— الله يسلمك.

عادت تنظر إلى الخارج، لكن عقلها كان في مكان آخر. قبل شهرين فقط كانت حياتها مختلفة تماماً؛ وظيفة مستقرة، مدينة تعرفها جيداً، وجوه مألوفة، وروتين يومي محفوظ. ثم فجأة... اتخذت القرار الأصعب؛ أن تبدأ من جديد، في بلد جديد، وبين أشخاص لا تعرفهم. لم تكن خائفة، أو على الأقل هكذا كانت تخبر نفسها، لكنها كانت تدرك أن ما فعلته مغامرة بكل معنى الكلمة.

بعد نحو أربعين دقيقة توقفت السيارة أمام الفندق. رفعت حنين رأسها تنظر إلى المبنى المرتفع أمامها; كان أكثر فخامة مما توقعت. دفعت الأجرة، شكرت السائق، ثم حملت حقيبتها ودخلت.

استقبلها رائحة هادئة من العطور الفندقية، أرضيات رخامية لامعة، وثريات ضخمة تتدلى من السقف، وموظفون يتحركون بهدوء وكأن كل شيء محسوب مسبقاً. أنهت إجراءات الحجز، ثم صعدت إلى غرفتها. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى ألقت بنفسها على السرير وأطلقت زفرة طويلة:

— أخيرًا.

ساد الصمت داخل الغرفة؛ ذلك النوع من الصمت الذي لا يدرك الإنسان حاجته إليه إلا بعد يوم طويل. أغمضت عينيها للحظات، لكن معدتها قررت في تلك اللحظة أن تعترض. فتحت عينيها فوراً ثم ضحكت:

— فهمت الرسالة.

نهضت من مكانها، غسلت وجهها، بدلت ملابس السفر، وربطت شعرها على عجل، ثم قررت النزول إلى مطعم الفندق. عشاء خفيف فقط وبعده نوم؛ هكذا كانت الخطة، لكن الحياة... كان لها رأي آخر.

الجزء الثالث

في الوقت نفسه... كان الطابق الخاص بالمطعم يشهد اجتماعاً لم يكن يسير كما ينبغي. جلس أعضاء الوفد الفرنسي حول الطاولة المستديرة الكبيرة وأمامهم ملفات وعقود وأجهزة لوحية، بينما جلس على الجانب الآخر فريق شركة الحكيم، وفي مقدمتهم ياسين الحكيم، وإلى جواره مباشرة كان يجلس مازن، صديقه الأقرب ومدير العمليات في الشركة.

كان الاجتماع قد بدأ منذ أكثر من ساعة، والجو العام يبدو طبيعياً لأي شخص يراقبه من الخارج، لكن ياسين لم يكن مرتاحاً، وهذا ما لاحظه مازن منذ وقت. مال نحوه قليلاً وقال بصوت منخفض:

— مالك؟

لم يرفع ياسين عينيه عن الأوراق أمامه:

— ولا حاجة.

ابتسم مازن بسخرية:

— لما تقول "ولا حاجة" أعرف إن في حاجة.

لكن ياسين تجاهله، وأعاد النظر نحو المتحدث الفرنسي.

كان الرجل يشرح بنود الشراكة الجديدة، والمترجم ينقل حديثه للعربية. كل شيء طبيعي على الأقل ظاهرياً، لكن شيئاً ما كان يزعج ياسين؛ إحساس غامض فقط، لا دليل عليه ولا يستطيع تفسيره، ولهذا كرهه، فقد كان من النوع الذي يفضل الحقائق الواضحة، أما الحدس وحده... فلا يكفي.

في تلك الأثناء... دخلت حنين إلى المطعم؛ كان واسعاً وأنيقاً، الإضاءة الذهبية تنعكس فوق الطاولات المرتبة بعناية، وموسيقى هادئة تنساب في الخلفية. اختارت طاولة قرب النافذة وجلست. جاء النادل بعد دقائق، فطلبت وجبة خفيفة وقهوة، ثم أخرجت هاتفها وبدأت تتصفح بعض إعلانات الوظائف التي حفظتها مسبقاً؛ تفتح إعلاناً، وتغلق آخر، وتدون بعض الملاحظات.

لكن بعد فترة قصيرة... انقطع تركيزها، ليس بسبب الهاتف ولا بسبب الطعام، بل بسبب صوت مألوف وصل إلى أذنها: "الفرنسية". رفعت رأسها تلقائياً؛ كان أحد أعضاء الوفد الأجنبي يتحدث بطلاقة بينما يتولى المترجم نقل كلامه. توقفت يدها فوق شاشة الهاتف، فالفرنسية بالنسبة لها ليست مجرد لغة درستها، بل لغة عاشت معها سنوات طويلة، ولهذا كانت تفهمها تلقائياً تقريباً.

ألقت نظرة سريعة نحو الطاولة، وهنا رأت ياسين للمرة الأولى؛ كان يجلس في رأس الطاولة، صامتاً أغلب الوقت بينما الآخرون يتحدثون ويشرحون ويناقشون، أما هو... فكان يراقب، فقط يراقب.

خفضت بصرها سريعاً، فلا شأن لها بهم، لكن بعد لحظات وصلتها أول جملة. قال الرجل الفرنسي:

— «Nous proposons un partenariat stratégique de trois ans avec exclusivité limitée.»

فهمتها مباشرة: "شراكة استراتيجية لمدة ثلاث سنوات مع حصرية محدودة". لكن المترجم قال بالعربية:

— نقترح شراكة استراتيجية لمدة ثلاث سنوات مع حصرية كاملة.

توقفت حنين ورفعت رأسها ببطء: "كاملة؟". عقدت حاجبيها؛ ربما أخطأ، فهذا يحدث. عادت إلى هاتفها، لكن شيئاً صغيراً من عدم الارتياح بقي عالقاً في ذهنها، ولم تكن تعلم أن تلك كانت مجرد البداية…

الجزء الرابع

حاولت حنين إقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها؛ خطأ ترجمة، وربما مجرد اختيار سيئ للكلمات، هذا يحدث حتى مع المترجمين المحترفين. لهذا أعادت انتباهها إلى هاتفها؛ فتحت إعلاناً جديداً، قرأت السطر الأول، ثم الثاني، لكنها أدركت بعد لحظات أنها لم تستوعب كلمة واحدة، لأن جزءاً من عقلها بقي معلقاً هناك عند تلك الطاولة، وعند الجملة التي سمعها الجميع بشكل مختلف.

تنهدت بخفة ورفعت فنجان القهوة إلى شفتيها، وفي تلك اللحظة بالذات دوّى صوت الرجل الفرنسي من جديد:

— «Les termes peuvent être révisés selon les besoins du marché.»

فهمت المعنى مباشرة: "الشروط يمكن مراجعتها وفق احتياجات السوق". لكن المترجم قال:

— البنود نهائية وغير قابلة للتعديل بعد التوقيع.

توقف الفنجان في منتصف الطريق، ثم أنزلته ببطء؛ هذه ليست زلة لسان، ولا خطأً عابراً، المعنى انقلب بالكامل. رفعت رأسها مرة أخرى، وهذه المرة لم تكن الوحيدة التي شعرت أن هناك شيئاً غريباً؛ حتى بعض الجالسين حول الطاولة بدوا مترددين، أحدهم دوّن ملاحظة سريعة، وآخر تبادل نظرة قصيرة مع زميله. أما ياسين... فبقي على هدوئه، لكن حنين لاحظت شيئاً صغيراً، شيئاً لم ينتبه له غيرها على الأغلب: القلم بين أصابعه توقف عن الحركة لثوانٍ فقط، ثم عاد كما كان. خفضت نظرها مجدداً ولم تقل شيئاً.

استمر الاجتماع، واستمرت معه الأخطاء؛ مرة، اثنتين، ثلاثاً... أكثر مما يمكن اعتباره مصادفة. وبدأت حنين تشعر بانقباض خفيف في صدرها، لأنها لم تكن تسمع اختلافات بسيطة، بل فروقات قد تغيّر معنى العقد كله. ألقت نظرة أخرى نحو المترجم؛ كان رجلاً في الأربعينات تقريباً، أنيقاً، هادئاً، وواثقاً من نفسه، وهذا ما أزعجها أكثر; لو كان مرتبكاً أو ضعيف المستوى لكان الأمر مفهوماً، أما هذا الرجل... فكان يبدو كمن يعرف جيداً ما يفعل.

أبعدت عينيها بسرعة وركزت على طبق الطعام أمامها؛ لا، لن تتدخل، فقد وصلت اليوم فقط، ولا تعرف أحداً هنا، وليس من الحكمة أن تبدأ حياتها الجديدة بصناعة المشاكل. لكن رغم ذلك... بقي شيء داخلها يرفض تجاهل ما يحدث.

في الجهة الأخرى من المطعم... كان مازن يراقب ياسين بصمت، ثم مال نحوه قليلاً:

— أنت شاكك في حاجة؟

لم يرد ياسين فوراً، بقي ينظر إلى المتحدث الفرنسي ثم قال:

— مش عارف.

— دي أسوأ إجابة ممكن تقولها.

نظر إليه ياسين:

— ليه؟

— لأنك طول عمرك عارف.

ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، ثم عاد بنظره إلى الاجتماع، أما مازن فتنهد؛ كان يعرف صديقه جيداً، وعندما يبدأ ياسين بالشعور أن هناك شيئاً خطأ... فغالباً يكون هناك شيء خطأ فعلاً، لكن المشكلة أن لا أحد يملك دليلاً حتى الآن.

وفجأة جاءت الجملة التي جعلت حنين تتجمد في مكانها. قال أحد أعضاء الوفد الفرنسي:

— «Aucune pénalité financière ne sera appliquée durant la première année.»

حبست أنفاسها؛ الجملة واضحة جداً: "لا غرامات مالية خلال السنة الأولى". لكن المترجم قال:

— سيتم تطبيق الغرامات المالية منذ بداية التعاقد.

شعرت بقشعريرة خفيفة تمر في جسدها، وأدركت فوراً أن الأمر تجاوز حدود الخطأ بكثير؛ لو استمرت الأمور بهذا الشكل... فإما أن تنهار الصفقة، أو يوقع أحد الطرفين على شروط لا يعرف حقيقتها، وفي الحالتين ستكون النتيجة كارثية. وضعت الفنجان على الطاولة، ثم أغمضت عينيها للحظة وحاولت تجاهل الأمر للمرة الأخيرة، لكنصوت والدها رحمه الله عاد إلى ذاكرتها واضحاً كأنه يقف بجوارها: "إذا قدرتي تصلحي غلطة وسكتي عليها... راكي شاركتي فيها".

فتحت عينيها وزفرت ببطء:

— يا ربي…

همست بها لنفسها، ثم نظرت نحو الطاولة من جديد. كان الاجتماع مستمراً، ولا أحد يعرف ما تسمعه هي، ولا أحد يعرف أن الترجمة تتغير بهذه الطريقة. شعرت بالتردد، تردد حقيقي، فهي لا تحب لفت الانتباه، ولا تحب الوقوف أمام الناس، لكنها أيضاً لم تستطع الجلوس وكأن شيئاً لا يحدث.

في تلك اللحظة قال الرجل الفرنسي جملة جديدة، وترجمها المترجم بطريقة مختلفة مرة أخرى. عندها انتهى ترددها؛ وضعت هاتفها جانباً ونهضت. في البداية ظنت أنها ستعود للجلوس، لكنها لم تفعل؛ خطوة، ثم أخرى، ثم ثالثة، حتى اقتربت من الطاولة. بدأ بعض الجالسين يلاحظون وجودها، ثم التفت البقية تباعاً، وساد الصمت.

شعرت حنين بأن قلبها يخفق بقوة، لكن الأوان كان قد فات. رفعت يدها قليلاً وقالت:

— عذرًا…

توقفت المحادثة فوراً، والتفتت جميع الأنظار نحوها. أما ياسين... فرفع رأسه ببطء، ولأول مرة التقت عيناه بعينيها مباشرة. شعرت بقوة حضوره فوراً، ليس لأنه كان يتحدث كثيراً، بل لأنه من النوع الذي يكفي أن ينظر إليك لتشعر أنه يقرأ ما خلف الكلمات. مرت ثانيتان، ثم قال بهدوء:

— نعم؟

ابتلعت ريقها وقالت:

— آسفة على المقاطعة... بصح كاين مشكلة في الترجمة.

وفي اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمها... تغير كل شيء.

لثانية كاملة... لم يتحرك أحد، بقيت الكلمات معلقة في الهواء وكأن الحاضرين لم يستوعبوا ما سمعوه للتو. أما حنين فشعرت بحرارة تسري في أطرافها؛ الآن فقط أدركت حجم ما فعلته. هي لم تقاطع مجموعة عادية من الأشخاص، بل قاطعت اجتماعاً رسمياً يضم رجال أعمال ووفداً أجنبياً، وربما... أفسدت أول ليلة لها في القاهرة بالكامل، لكن التراجع لم يعد خياراً.

رفع المترجم رأسه نحوها وبدا الانزعاج واضحاً على وجهه:

— أفندم؟

قالها بنبرة حاول أن يجعلها مهذبة، لكنه لم ينجح تماماً. أخذ نَفَسًا قصيراً ثم أضاف:

— في مشكلة؟

أجابت حنين بثبات أكبر مما كانت تشعر به في الداخل:

— نعم.

ارتفع حاجباه، بينما التفتت بقية الوجوه بينها وبين المترجم، أما ياسين... فلم يبعد عينيه عنها، كأنه ينتظر ما ستقوله.

قال المترجم:

— مشكلة إيه بالضبط؟

ترددت لحظة، ثم قالت:

— الترجمة مش صحيحة.

ساد الصمت من جديد. شعرت حنين أن بعض الجالسين تبادلوا نظرات سريعة، بينما تجمدت ابتسامة المجاملة على وجه أحد الموظفين، أما المترجم فحدق فيها غير مصدق، ثم أطلق ضحكة قصيرة:

— حضرتك مترجمة؟

لم يعجبها أسلوبه، لكنها تجاهلته وقالت:

— نعم.

— ومِنين سمعتِ الكلام؟

— من هنا. (وأشارت إلى الطاولة التي كانت تجلس عندها).

نظر إليها باستغرب:

— من هناك؟

— نعم.

— وسمعتِ الاجتماع كله؟

— لا... (ثم أضافت بهدوء): سمعت اللي يكفي باش نعرف إن الترجمة اتغيرت أكثر من مرة.

انعقد فكه واختفت الضحكة من وجهه تماماً، أما مازن فبدأ ينظر بينها وبين الرجل باهتمام حقيقي، بينما بقي ياسين صامتاً يراقب فقط.

قال المترجم بسرعة:

— أعتقد إن حضرتك فهمتِ غلط.

رفعت حنين رأسها نحوه ثم قالت:

— الجملة الأخيرة قالت إنه ما فيش غرامات مالية خلال السنة الأولى. (وأشارت نحو الرجل الفرنسي)، وأنت قلت إن الغرامات تبدأ من أول يوم.

للمرة الأولى تغير لون وجه المترجم قليلاً؛ حركة صغيرة جداً لكنها لم تفت ياسين، ولا مازن، ولا حتى حنين. فتح الرجل فمه ليجيب، لكن صوتاً آخر سبقه:

— .She is right

التفت الجميع نحو المتحدث؛ كان أحد أعضاء الوفد الفرنسي ينظر نحو حنين بدهشة واضحة، ثم أكمل:

— هذا هو المعنى الصحيح.

ساد صمت أثقل من السابق، أما المترجم... فبدا وكأن الأرض بدأت تميل تحت قدميه.

في تلك اللحظة فقط تحرك ياسين؛ وضع القلم الذي كان بين أصابعه فوق الطاولة، ثم قال بهدوء:

— كمّلي.

التفتت إليه حنين؛ كانت هذه أول كلمة يقولها منذ تدخلها، نبرة هادئة لكنها تحمل أمراً واضحاً. ترددت للحظة ثم قالت:

— ليست هذه فقط.

عقد حاجبيه:

— يعني؟

أخذت نَفَساً عميقاً ثم بدأت تشرح؛ الجملة الأولى ومعناها الحقيقي، ثم الثانية، ثم الثالثة. لم تذكر كل شيء رغم أنها كانت تملك ملاحظات أخرى؛ فبعض الأمور بدت لها غريبة فعلاً، لكنها لم تكن تملك ما يكفي من المعلومات لتتكلم عنها، ولهذا احتفظت بها لنفسها. أما ما تعرفه يقيناً فقد قالته، ومع كل جملة كانت تذكرها، كانت ملامح بعض الحاضرين تتغير أكثر، بينما كان أعضاء الوفد الفرنسي يؤكدون صحة كلامها بين الحين والآخر، أما المترجم... فأصبح عاجزاً عن النظر في أعين أي شخص حول الطاولة.

عندما انتهت... ساد صمت طويل هذه المرة، ثم أدار ياسين رأسه ببطء نحو المترجم وقال:

— عندك تفسير؟

فتح الرجل فمه ثم أغلقه، ثم حاول مرة أخرى:

— أكيد حصل سوء فهم…

— سوء فهم؟ (كانت هذه أول مرة يظهر شيء من الحدة في صوت ياسين؛ شيء بسيط جداً لكنه كان كافياً ليجعل الرجل يتلعثم).

— أصل…

— مرة؟ (سكت الرجل).

— مرتين؟ (ازداد الصمت).

— خمس مرات؟

لم يجب.

أما مازن فبدأ يفقد ابتسامته المعتادة تدريجياً، لأن الصورة أصبحت واضحة جداً، وأوضح مما ينبغي. وفجأة قال ياسين:

— الاجتماع انتهى... كل شيء هيتراجع من البداية. (ثم التفت إلى الوفد الفرنسي): أعتذر عن اللي حصل.

أومأ رئيس الوفد برأسه:

— لا بأس.

لكن الثقة التي اهتزت كانت واضحة في عينيه، وهذا أخطر من أي شيء آخر.

بدأ الجميع بجمع أوراقهم، وتحركت الكراسي، وعادت الأصوات تدريجياً إلى المكان. أما حنين... فشعرت أن دورها انتهى، وقالت لنفسها: "خلاص... درت اللي عليّ". ثم استدارت لتغادر، غير مدركة أن الرجل الذي أنقذت شركته من كارثة محتملة، بدأ في تلك اللحظة بالذات يتساءل: مَن تكون هذه الفتاة؟

كانت قد وصلت تقريباً إلى باب المطعم، حين سمعت صوتاً خلفها:

— يا آنسة!

أغلقت عينيها لثانية، ثم استدارت لتجد مازن يقترب منها مبتسماً وهو يقول:

— معلش... ممكن دقيقة؟

الجزء الخامس

كان الشاب الذي كان يجلس إلى جوار ياسين يقترب منها بخطوات هادئة، بنفس الابتسامة السهلة والنظرة الودية التي لم تكن موجودة عند بقية الجالسين. توقف أمامها وقال:

— معلش... ممكن دقيقة؟

نظرت إليه بحذر:

— خير؟

ابتسم:

— الأستاذ ياسين حابب يشكرك.

ألقت نظرة سريعة نحو الداخل، فرأت ياسين يقف قرب الطاولة يتحدث مع أعضاء الوفد الفرنسي وكأنه لم ينتبه لها أصلاً. عادت تنظر إلى الشاب وقالت:

— بلا مزيّة خويا.

رمش مازن عدة مرات:

— ها؟

— بلا مزيّة.

ازدادت حيرته:

— دي معناها إيه؟

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها:

— يعني لا داعي للشكر.

ضحك مازن:

— طب قولي كده من الأول. (ثم أشار بيده نحو الداخل): دقيقة واحدة بس.

ترددت حنين، لكنها في النهاية زفرت بهدوء وقالت: حاضر.

بعد دقائق... كان الثلاثة يجلسون في ركن هادئ من بهو الفندق، بعيداً عن الضوضاء وعن بقية الضيوف. جلست حنين على أحد المقاعد الوثيرة، بينما جلس ياسين أمامها مباشرة، وجلس مازن إلى الجانب.

ساد الصمت لثوانٍ، شعرت خلالها حنين أنها تحت المراقبة؛ ليس بطريقة مزعجة، بل بطريقة دقيقة جداً، وكأن ياسين يحاول فهم شيء ما، أو ربما تقييمها. وأخيرًا قال:

— شكرًا.

رفعت حاجبيها قليلاً؛ لم تكن تتوقع أن يبدأ هكذا. أضاف بهدوء:

— لو ما كنتيش اتدخلتِ... الاجتماع كان ممكن ينتهي بشكل مختلف.

هزت كتفيها بخفة:

— درت غير الصح.

نظر إليها لثوانٍ ثم قال:

— أغلب الناس بيتجنبوا الصح لو هيعمل لهم مشاكل.

لم تعرف ماذا ترد، فاكتفت بالصمت. قطع مازن الأجواء الجدية كعادته وقال:

— بصراحة أنا لحد دلوقتي مش مستوعب اللي حصل. (التفتت إليه فأكمل):

— أول يوم ليكي في القاهرة؟

— نعم.

— وأول ليلة؟

— نعم.

— وأول مكان تدخليه؟

— تقريبًا.

رفع يديه باستسلام:

— وتوقفي صفقة بملايين الجنيهات؟

رغم توترها... ابتسمت؛ ابتسامة صغيرة جداً لكنها كانت موجودة. لاحظها مازن فوراً وأشار إليها بإصبعها:

— أهو... أخيرًا ابتسمتِ.

هزت رأسها محاولة إخفاء ضحكتها، أما ياسين... فبقي يراقب بصمت، ثم قال فجأة:

— اسمك؟

التفتت إليه:

— حنين.

— حنين إيه؟

— عمراني.

أومأ برأسه:

— ومن الجزائر؟

— نعم.

— واضح.

تدخل مازن فوراً:

— بصراحة أنا أول ما سمعتها افتكرت إنها بتتكلم لغة تالتة.

نظرت إليه حنين باستغرب:

— لهذه الدرجة؟

— آه والله.

— مبالغ.

— لا، بجد. (ثم قلد نفسه بطريقة مسرحية): "بلا مزيّة"... (وسكت لحظة): وأنا قاعد أفكر إذا كانت شتيمة ولا دعوة حلوة.

ضحكت حنين رغماً عنها، أما ياسين فهز رأسه بضيق خفيف:

— مازن.

— نعم؟

— اسكت.

— حاضر. (لكنه لم يكن يبدو نادماً إطلاقاً).

عادت ياسين إلى الموضوع الأساسي:

— تخصصك إيه؟

— ترجمة ولغات.

— فرنسي بس؟

— فرنسي وإنجليزي.

— كنتِ شغالة قبل كده؟

— نعم.

— فين؟

أجابته باختصار، وشرحت طبيعة عملها السابق دون الدخول في تفاصيل كثيرة. ظل يستمع باهتمام، دون مقاطعة ودون أن يعلق، حتى انتهت فقال:

— كويس.

رفعت حاجبها؛ هل هذه كانت كل ردة فعله؟ أما مازن فكان ينظر بينهما وكأنه يشاهد مباراة تنس. وفجأة قالت حنين:

— عندي سؤال.

رفع ياسين عينيه إليها:

— اتفضلي.

نظرت إليه مباشرة ثم قالت:

— أنت تحقق معي ولا تشكرني؟

لثانية كاملة... ساد الصمت، ثم انفجر مازن ضاحكاً؛ ضحكة عالية أجبرت عدة أشخاص على الالتفات نحوهم. أما ياسين... فحدق فيها للحظة، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة جداً، سريعة، واختفت تقريباً فور ظهورها وقال:

— يمكن الاتنين.

نظرت إليه باستغرب، فأضاف:

— لأن اللي حصل النهارده مش طبيعي.

— وأنا تاني حسيت هكذا. (قالتها بعفوية، فتوقفت عيناه عندها).

— ليه؟

ترددت لحظة ثم قالت:

— لأن المترجم ما بانش عليه واحد يغلط.

اختفت الابتسامة تماماً من وجه مازن، أما ياسين... فبقي صامتاً لأنها نطقت بالشيء نفسه الذي كان يدور في رأسه منذ بداية الاجتماع. لكن حنين لم تضف شيئاً آخر، رغم أن هناك أموراً أخرى لفتت انتباهها؛ أمور لم تفهمها بالكامل بعد، ولذلك احتفظت بها لنفسها.

قال مازن بعد لحظات:

— أخيرًا حد غيري بيفكر.

— ماذا تقصد؟

— أقصد إن سيادة الرئيس ده لما يسكت أعرف إنه شاكك في حاجة.

رمقه ياسين بنظرة باردة، فسكت فوراً وقال:

— وأنا مالي... ما قلتش حاجة.

ضحكت حنين مجدداً، وكانت هذه أول مرة تضحك فيها براحة منذ وصولها إلى القاهرة.

الجزء السادس

مرّت عدة دقائق أخرى في الحديث، معظمها كان من نصيب مازن، أما ياسين فبقي على عادته؛ يتحدث عندما يكون للكلام ضرورة فقط، بينما كانت حنين تجيب باختصار، فهي بطبيعتها لا ترتاح بسرعة مع الغرباء، خصوصاً بعد يوم طويل كهذا.

بدأ التعب يظهر عليها شيئاً فشيئاً؛ لاحظ ياسين ذلك، كما لاحظ أن نظراتها تتجه إلى الساعة بين الحين والآخر، لذلك قال أخيرًا:

— واضح إنك تعبانة.

تنهدت حنين بخفة:

— شوية.

نظر إليها مازن باستغرب:

— شوية؟ (ثم أشار إلى حقيبتها الموضوعة بجانب المقعد): إنتِ جاية من سفر النهارده.

— نعم.

— واتخانقتِ مع مترجم.

— ما تخانقتش.

— ووقفتِ اجتماع شركة كاملة.

— ما وقفتوش.

— أهو... شوفتوا؟ (قالها وهو ينظر إلى ياسين): البنت دي عندها موهبة في إنكار الكوارث.

هزت حنين رأسها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها، أما ياسين فاكتفى بالنظر إلى مازن نظرة قصيرة جعلته يصمت فوراً.

نهضت حنين من مكانها:

— أظن لازم أطلع.

وقف مازن تلقائياً، بينما رفع ياسين عينيه إليها:

— طبعاً.

التقطت حقيبتها واستعدت للمغادرة، لكن ياسين أخرج شيئاً من جيبه ووضعه فوق الطاولة. نظرت إليه; كانت بطاقة أعمال سوداء أنيقة تحمل اسمه:

ياسين الحكيم

رئيس مجلس إدارة شركة الحكيم للاستيراد والتصدير

رفعت عينيها إليه باستغرب:

— هذه؟

قال بهدوء:

— خديها.

— لماذا؟

— لو احتجتِ أي حاجة... (ثم صمت لثوانٍ، حتى مازن التفت إليه باستغرب خفيف، لأنه يعرف جيداً أن ياسين لا يقدم عروضاً كهذه بسهولة، فتابعت حنين النظر إلى البطاقة ثم أكمل ياسين): أو لو ملقيتيش شغل.

قالت حنين:

— شكراً.

— العفو.

مدت يدها وأخذتها، ثم وضعتها داخل حقيبتها وقالت:

— نشوف.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه مازن، بينما نهض ياسين من مكانه:

— تصبحي على خير.

أجابت:

— وأنت من أهله. (ثم أضافت وهي تنظر إلى مازن):

— تصبح على خير.

— وأنتِ من أهله... (ثم أردف مبتسمًا): ولو قابلتِ مترجمين تاني الليلة دي، سيبيهم في حالهم.

ضحكت رغماً عنها، وأدارت رأسها متجهة نحو المصعد.

وقفت داخل المصعد بعد لحظات، وما إن أغلقت الأبواب حتى أسندت رأسها إلى الجدار المعدني خلفها وأطلقت زفرة طويلة:

— يا ربي…

همست بها لنفسها، ثم أخرجت بطاقة ياسين من حقيبتها ونظرت إليها مرة أخرى. هزت رأسها وأعادتها إلى مكانها وقالت بثقة:

— مستحيل نعيطلو.

ثم ضحكت من نفسها، فهي تعلم جيداً أن الحياة لا تحب كلمة "مستحيل".

في بهو الفندق... كان مازن ما يزال واقفاً مكانه، يراقب باب المصعد الذي اختفت خلفه حنين، ثم التفت إلى ياسين وقال:

— شخصية غريبة.

لم يجب ياسين، فسأله:

— أنت شايف كده برضه؟

— أيوه.

— بس لطيفة.

نظر إليه ياسين:

— إيه العلاقة؟

ضحك مازن:

— مفيش علاقة... بقول رأيي بس. (ثم أضاف): بالمناسبة.

— نعم؟

— أنا متأكد إنك لسه بتفكر في موضوع المترجم.

اختفت أي بقايا للابتسام عن وجه ياسين، وعاد ذلك الهدوء البارد إلى ملامحه:

— أكيد.

— شاكك في حاجة؟

صمت لثوانٍ ثم قال:

— أيوه.

— المترجم؟

هز رأسه:

— لا.

عقد مازن حاجبيه:

— لا؟

أدار ياسين نظره نحو النوافذ الزجاجية الكبيرة المطلة على القاهرة وقال بهدوء:

— المترجم مجرد أداة.

اختفت الابتسامة من وجه مازن تماماً:

— تقصد إيه؟

رد ياسين:

— حد أكبر منه هو اللي حركه.

ساد الصمت بينهما، لأن المعنى كان واضحاً؛ إذا كان ياسين محقاً... فالمشكلة ليست في اجتماع اليوم، وليست في المترجم، بل داخل الشركة نفسها، وفي مكان ما... هناك شخص يعمل ضدهم.

وفي مكان آخر داخل الفندق... كان رجل يجلس وحده داخل غرفة مظلمة، يمسك هاتفه بعصبية. ظهرت رسالة جديدة على الشاشة: “هل تمت المهمة؟”

أغلق عينيه بقوة ثم كتب: "لا".

وصل الرد بعد ثوانٍ: “لماذا؟”

ظل ينظر إلى الشاشة طويلاً قبل أن يكتب أخيراً: "ظهرت فتاة لم تكن في الحسبان".

أرسل الرسالة ثم ألقى الهاتف بعيداً عنه، غير مدرك... أن تلك الفتاة التي لم تكن في الحسبان... ستقلب قريباً أكثر من مجرد صفقة.

الجزء السابع والأخير

بعد نحو نصف ساعة... كانت سيارة ياسين تشق طريقها عبر شوارع القاهرة الهادئة نسبياً. جلس مازن في المقعد المجاور له، بينما انشغل ياسين بالقيادة. ساد الصمت بينهما لدقائق، وهو أمر نادر لأن مازن لا يعرف الصمت طويلاً، لكن عقله كان منشغلاً بما حدث أكثر من المعتاد.

وأخيرًا قال:

— على فكرة…

لم يرد ياسين، فأكمل:

— البنت دي شجاعة.

— ممكن.

— "ممكن" إيه؟

— ممكن تكون شجاعة.

ضحك مازن:

— دي وقفت وسط اجتماع فيه أكتر من عشرين شخص واتكلمت!

— لأنها كانت متأكدة من كلامها.

— وبرضه شجاعة.

لم يعلق ياسين، فأضاف مازن:

— على الأقل اعترف إنها أنقذت الموقف.

— اعترفت.

— لا، أنا أقصد بينك وبين نفسك.

نظر إليه ياسين للحظة، ثم أعاد عينيه إلى الطريق:

— أنا لا أنكر الحقائق.

ابتسم مازن; هذه كانت أقرب جملة يمكن اعتبارها اعترافاً من ياسين.

بعد دقائق توقفت السيارة أمام منزل عائلة الحكيم; كان منزلاً كبيراً تحيط به حديقة واسعة، ليس قصراً كما يتخيل البعض، لكنه منزل يعكس مكانة أصحابه بوضوح. ما إن دخلا حتى سمعا صوتاً مألوفاً:

— أخيرًا افتكرتوا إن عندكم بيت؟

تنهد ياسين فوراً، بينما انفجر مازن ضاحكاً. ظهرت السيدة سلوى من غرفة الجلوس؛ امرأة في أواخر الخمسينات، هادئة الملامح، لكنها تملك حضوراً قوياً يجعل الجميع يحترمونها. اقتربت منهما:

— مساء الخير.

— مساء النور يا أمي. (ثم التفتت إلى مازن):

— وأنت يا ابني؟

— بخير يا طنط.

— شكلكم مرهقين.

رد مازن فوراً:

— اليوم كان طويل جدًا.

رفعت حاجبها:

— مشكلة في الشغل؟

نظر مازن إلى ياسين ثم قال:

— ممكن نقول كده.

وقبل أن تكمل حديثها... جاء صوت آخر من أعلى الدرج:

— مين اللي رجع؟

نزلت فتاة في منتصف العشرينات بسرعة، شعرها مرفوع بشكل عشوائي وهاتفها في يدها. ما إن رأت مازن حتى ابتسمت:

— آه... عرفت إن في مصيبة.

وضع مازن يده على صدره:

— أنا زعلان منكِ جدًا.

ضحكت:

— وأنت كل يوم بتقول كده. (ثم جلست على الأريكة): احكوا.

قال ياسين فوراً:

— مفيش حاجة تتحكي.

لكن أحداً لم يهتم.

بعد عشر دقائق... كان مازن قد حكى نصف ما حدث بالفعل، بطريقته الخاصة طبعاً، وهو ما يعني إضافة بعض الدراما غير الضرورية:

— وبعدين فجأة... ظهرت بنت من آخر المطعم. (رفع يديه بحماس):

— ووقفت الاجتماع كله!

اتسعت عينا رانيا:

— بجد؟

— والله.

— وعملت إيه؟

— فضحت المترجم.

— مرة واحدة؟

— مرة واحدة.

تدخلت سلوى:

— والبنت دي مين؟

هز مازن كتفيه:

— ما نعرفش.

— إزاي؟

— أول مرة نشوفها.

— وأصرت تتدخل؟

— أيوه.

صمتت سلوى قليلاً ثم قالت:

— يبقى عندها شخصية.

نظرت رانيا إلى ياسين ثم سألت:

— وأنت عملت إيه؟

— راجعت الاجتماع.

— قصدي مع البنت.

قالها مازن قبل أن يرد ياسين:

— شكرها.

أومأت سلوى برأسها:

— طبيعي.

لكن مازن أكمل بمكر:

— واداها كارت الشركة.

ساد الصمت ببطء... التفتت سلوى نحو ابنها، ثم رانيا، ثم عادتا للنظر إليه، أما ياسين فأغمض عينيه للحظة وقال:

— بدأنا.

ابتسمت رانيا بخبث:

— نبدأ إيه؟

— عارف النظرات دي.

ضحكت سلوى:

— يا ابني البنت ساعدتك.

— وأنا شكرتها.

— واديتها كارتك. (قالها مازن وهو يحاول كتم ضحكته، فرمقه ياسين بنظرة باردة).

— مازن.

— نعم؟

— اسكت.

ضحكت رانيا ثم سألت:

— اسمها إيه أصلًا؟

رد مازن فوراً:

— حنين.

تكرر الاسم داخل الغرفة للحظة، ثم قالت سلوى:

— اسم جميل.

نهض ياسين من مكانه:

— تصبحي على خير.

ضحك مازن:

— هرب.

— فعلاً هرب. (قالتها رانيا وهي تضحك، أما ياسين فتجاهلهما تماماً وصعد الدرج).

لكن قبل أن يختفي سمع صوت والدته خلفه:

— لو شفت البنت دي تاني... سلم عليها مني.

أومأ ياسين برأسه وصعد، بينما دوى ضحك مازن في أرجاء المنزل.

داخل غرفته... وقف ياسين أمام النافذة؛ القاهرة تمتد أمامه مضاءة بآلاف الأضواء، لكن تفكيره لم يكن في المدينة، ولا في الصفقة، ولا حتى في المترجم، بل في سؤال واحد فقط: مَن تكون حنين عمراني؟ ولماذا يشعر أن ظهورها المفاجئ كشف شيئاً أكبر بكثير من مجرد خطأ في الترجمة؟

أخرج هاتفه ونظر إلى الملف الذي أرسله له قسم الأمن قبل دقائق؛ ملف المترجم. ظل يتصفحه بصمت، ثم توقف عند نقطة معينة وضاق عيناه قليلاً، وكأن قطعة جديدة من الأحجية بدأت تظهر، لكنها لم تكن كافية بعد. أغلق الملف ووضع الهاتف جانباً: "غداً... سيبدأ البحث الحقيقي".

وفي مكان آخر من المدينة... كانت حنين قد استسلمت أخيراً للنوم، غير مدركة أن أول يوم لها في القاهرة... كان بداية قصة لن تستطيع الهروب منها مهما حاولت.

**نهاية الفصل الأول**

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Djihad Malki تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-