تحقيقات فالك الجزء الاول

تحقيقات فالك
الجزء الأول
الزمان: شتاء عام 1945
المكان: سوريا — محطة قطار حلب
كان الصباح هادئًا على غير عادة المحطات الكبرى.
وقف أدريان فالك على الرصيف، مرتديًا معطفه الداكن وقبعة سوداء، واضعًا يده في جيب معطفه بينما كان يتابع حركة المسافرين بصمت.

لم يكن في عجلة من أمره.
للمرة الأولى منذ أشهر، لم يكن يحمل ملف قضية، ولا ينتظر استجواب شاهد، ولا يطارد مجرمًا هاربًا.
كانت لديه إجازة.
وكانت وجهته إسطنبول.
أمام عينيه كان قطار طوروس السريع يستعد للمغادرة، وقد غطى البخار أجزاءً من عرباته بينما كان موظفو المحطة ينهون استعداداتهم الأخيرة.
ألقى أدريان نظرة على ساعته، ثم صعد إلى القطار.

كانت رحلته طويلة، لكنه لم يكن يمانع.
كان يحتاج إلى الابتعاد قليلًا عن لندن، عن القضايا، وعن الوجوه التي اعتاد أن يقرأ أسرارها قبل أن تتحدث.
جلس في مقصورته، وأخرج كتابًا من حقيبته.

لكن ، لفت انتباهه شيء آخر.
فتاة كانت تسير في الممر تبحث عن مقصورتها.

كانت في أواخر العشرينيات، ترتدي معطفًا أنيقًا بلون داكن، وتحمل حقيبة جلدية صغيرة. كان في مظهرها شيء جعل أدريان يرفع عينيه عن كتابه للحظات.
لم يكن يعرفها.
كانت تلك كلارا بيل.
طبيبة.

جلست في إحدى المقصورات القريبة، ولم يتحدث معها أدريان طوال الرحلة.
ومع ذلك، ظل يتذكر وجهها.
الزمان: بعد عدة أيام
المكان: إسطنبول — محطة قطار
وصل قطار طوروس السريع إلى المحطة.
نزل أدريان من القطار، وأمسك بحقيبته، ثم وقف للحظة يتأمل المحطة المزدحمة.

كان ينوي قضاء عدة أيام في إسطنبول قبل أن يعود إلى الفندق الذي حجز فيه.
وبينما كان يسير مبتعدًا عن الرصيف، وقعت عيناه على وجه مألوف.
كلارا بيل.
كانت تقف أمام شباك التذاكر.

تقدم أدريان بضع خطوات، ثم سمع صوتها بوضوح.
قالت لموظف التذاكر:
"احجز لي تذكرة إلى لندن."
توقف أدريان للحظة.
ثم أضافت:
"على قطار مونتوجراف."
رفع أدريان حاجبه قليلًا.
لندن؟
لم يكن يتوقع أن يرى تلك المرأة مرة أخرى بهذه السرعة.
لكنه لم يعطِ الأمر أهمية كبيرة.
غادر المحطة بخطوات هادئة، واتجه إلى الفندق.
الزمان: مساء اليوم نفسه
المكان: أحد فنادق إسطنبول
دخل أدريان الفندق، وتوجه مباشرة إلى مكتب الاستقبال.

وضع حقيبته بجانبه وقال للموظف:
"مساء الخير. هل وصلت إليّ أي رسائل؟"
بحث الموظف في درج خلفه، ثم أخرج ورقة صغيرة.
"نعم، سيدي."
ناولها لأدريان.
كانت برقية.
فتحها.
تغيرت ملامح وجهه فورًا.

قرأ:
من جونسون إلى أدريان
لقد حدث ما لم يكن في الحسبان.
وقعت جريمة قتل في لندن.
يجب أن تعود حالًا.
ظل أدريان صامتًا لثوانٍ.
ثم أعاد قراءة البرقية.
لم تكن هناك تفاصيل.
لا اسم للضحية.
لا مكان للجريمة.
ولا أي معلومة أخرى.
فقط جملة واحدة ظلت عالقة في ذهنه:
حدث ما لم يكن في الحسبان.
رفع أدريان عينيه نحو موظف الاستقبال.
وقال بهدوء:
"ألغِ حجزي."
نظر إليه الموظف باستغراب.
"عفوًا؟"
"لن أبقى في إسطنبول."

ثم أضاف:
"وأريد حجز مقصورة من الدرجة الأولى على قطار مونتوجراف المتجه إلى لندن."
بدأ الموظف في إعداد الحجز.
أما أدريان، فظل واقفًا أمام المكتب، ينظر إلى البرقية بين يديه.
كان قد جاء إلى إسطنبول بحثًا عن الراحة.
والآن كان عائدًا إلى لندن بسبب جريمة قتل.
لم يكن يعرف بعد من قُتل.
ولا من قتله.
ولا لماذا كان جونسون مقتنعًا بأن الأمر لم يكن في الحسبان.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا.
إجازته انتهت.
وبعد دقائق، كان حجزه قد تم.
قطار مونتوجراف.
الدرجة الأولى.
المغادرة في الصباح.
أغلق أدريان حقيبته واستعد للصعود.
ولم يكن يعلم أن المرأة التي رآها في محطة القطار قبل ساعات...
كانت قد حجزت المقعد نفسه في القطار نفسه.
وأن عودته إلى لندن لن تكون مجرد عودة إلى قضية قتل.
بل ستكون بداية أعقد تحقيق في حياته.