صدى منتصف الليل🙂↕️
صدى المنتصف: الراديو الذي يبث الموت
الفصل الأول: القطعة الأثرية الغامضة
لم يكن يوسف يؤمن بالخرافات، بل كان يراها تجارة رابحة لتسلية العقول الفارغة. كصانع محتوى يبحث دائمًا عن الإثارة لصفحته المتخصصة في قصص الرعب والآثار الغريبة، كان يتجول في أسواق المستعمل القديمة في أطراف القاهرة. في زاوية مظلمة من محل غباري تملؤه رائحة العفن، رصدت عيناه راديو خشبيًا قديمًا يعود لحقبة الأربعينيات. كان تصميمه غريبًا؛ واجهته النحاسية متآكلة، ومؤشر الترددات عالق عند نقطة سوداء لا تحمل أي رقم.
اشترى يوسف الراديو بثم بخس من البائع الذي بدا غريب الأطوار، حيث أصر على إعطائه له دون حتى أن يختبر تشغيله، قائلاً بنبرة هامسة:
"هذا الجهاز لا يبحث عن المحطات... المحطات هي من تبحث عنه."
اعتبر يوسف الكلمات مجرد دعاية رخيصة، وحمل الراديو إلى شقته في الطابق السابع، متحمسًا لتصوير مقطع فيديو جديد يستعرض فيه هذه التحفة الفنية القديمة.
الفصل الثاني: همس الدقيقة العاشرة
عندما دقت الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، كان يوسف يجلس في مكتبه يحرر بعض المقاطع. فجأة، وبدون أن يكون الراديو موصولاً بأي مصدر كهربائي، أصدر الجهاز صوت أزيز مروع وصوت ذبذبات مشوشة قطعت سكون الغرفة. تراجع يوسف للخلف بكرسيه، متفاجئًا ومتوجسًا.
تلاشى التشويش تدريجيًا ليحل محله صوت مذيع بنبرة باردة ورتيبة، تشبه النشرات الإخبارية القديمة:
"سيداتي وسادتي، مرحبًا بكم في بث منتصف الليل. الساعة الآن الثانية عشرة وعشر دقائق. نأسف لإبلاغكم بوفاة الكاتب الشاب يوسف بعد سقوطه من شرفة شقته إثر نوبة ذعر حادة... انتظروا تفاصيل الحادث."
انقطع البث وعاد الراديو صامتًا كجثة خامدة. نظر يوسف إلى شاشة هاتفه بنبضات قلب متسارعة؛ كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة تمامًا.
"عشر دقائق؟" تمتم يوسف وصوته يرتجف. “هل هذا مقلب؟ كيف يعرف الراديو اسمي؟”
حاول إقناع نفسه بأنها خدعة من أحد أصدقائه الذين اخترقوا شبكة منزله أو زرعوا سماعة داخل الراديو. لكن الخوف الحقيقي بدأ يتسلل إلى أوصاله كبرودة قاسية. قرر ألا يتحرك من مكانه، وأغلق نافذة الشرفة بإحكام وقفلها بالمفتاح. "لن أقترب من الشرفة أبدًا"، قال لنفسه بنبرة تحدٍ ضعيفة.
الفصل الثالث: صراع مع الزمن
مرت خمس دقائق كأنها دهور. كان يوسف يراقب عقارب الساعة بهوس.
في تمام الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق، سمع صوتًا غريبًا يأتي من المطبخ. صوت قطرات ماء تسقط بانتظام، ثم تحول الصوت فجأة إلى تدفق قوي وكأن هناك أنبوبًا قد انفجر. وقف يوسف بسرعة، محاولاً السيطرة على ركبتيه المرتعشتين. اتجه إلى المطبخ ليجد أرضيته مغطاة بالكامل بماء ساخن يتصاعد منه البخار، ومصدره ماسورة المياه الرئيسية التي انكسرت فجأة.
انقطع التيار الكهربائي عن الشقة بالكامل نتيجة وصول الماء إلى التوصيلات الأرضية، وغرقت الشقة في ظلام دامس إلا من ضوء شاشة هاتفه الذي كان يوشك على النفاد. وسط الظلام وضوضاء الماء المتدفق، تذكر يوسف أن المحبس الرئيسي للمياه يقع خارج الشقة، وتحديدًا في الشرفة الخلفية الصغيرة الملحقة بالمطبخ.
شعر برعب دافئ يزحف إلى حلقه. الساعة الآن الثانية عشرة وثماني دقائق.
"إذا لم أغلق المحبس، ستغرق الشقة وستحدث كارثة كهربائية!" صرخ في عقله. حاول الاتصال بالطوارئ، لكن شبكة الهاتف كانت مقطوعة تمامًا. بدا وكأن الكون كله يتآمر ليجبره على الذهاب إلى الشرفة.
الفصل الرابع: النبوءة تحقق نفسها
تحت وطأة الذعر وصوت المياه المتدفقة التي بدأت تخرج من المطبخ إلى الصالة، اندفع يوسف نحو الشرفة الخلفية. فتح الباب الزجاجي بعنف، وتوجه إلى زاوية الشرفة حيث يقع المحبس. كانت الرياح بالخارج تعصف بشدة، والظلام دامسًا لا يكسره سوى أضواء الشارع البعيدة.
أمسك بالمحبس وحاول تدويره بكل قوته، لكنه كان صدئًا ومستعصيًا. في تلك اللحظة، ومن داخل الشقة المظلمة، صدع صوت الأزيز مجددًا من الراديو الخشبي، ورغم بعد المسافة، كان الصوت واضحًا لدرجة تقشعر لها الأبدان:
"الساعة الآن الثانية عشرة وعشر دقائق... يوسف يوشك على السقوط..."
تجمد يوسف في مكانه. تملك الرعب كل خلية في جسده. التفت بسرعة ليعود إلى الداخل، لكن قدمه انزلقت بعنف على أرضية الشرفة التي امتدت إليها المياه المخلوطة بمسحوق الغسيل الزلق.
فقد توازنه تمامًا، وارتطم جسده بقوة بالسور الحديدي القصير للشرفة القديمة. لم يتحمل السور المتهالك وزنه واندفاعه المفاجئ، فانكسر الجانب الأيمن منه معلنًا هاوية السقوط.
تعلق يوسف بالطرف المتبقي بيد واحدة، يصرخ بأعلى صوته في سكون الليل، بينما كانت عيناه تتجهان نحو شاشة هاتفه التي سقطت على أرضية الشرفة مستلقية بجانب الباب. أضاءت الشاشة لثوانٍ معدودة قبل أن تنطفئ للأبد، معلنةً الوقت بدقة متناهية:
12:10 م
أفلتت يده، وسقط في الظلام، بينما ردد الراديو في الشقة الفارغة صوت تشويش هادئ، تلاه صوت المذيع البارد مجددًا:
"النهاية شكرًا لمتابعتكم... نلتقي غدًا مع ضيف جديد في منتصف الليل."
