لا تنظر إلى ظلك بعد منتصف الليل.. إنه لم يعد ملكاً لك
العنوان الرئيسي: لا تنظر إلى ظلك بعد منتصف الليل.. إنه لم يعد ملكاً لك

كم مرة جلست فيها وحيداً في غرفتك، الساعة تتجاوز الواحدة صباحاً، والمصباح الوحيد خلفك يلقي بك وبظلك على الحائط؟ أنا فعلتها آلاف المرات. كنت أعتبرها طقساً مقدساً للوحدة؛ أن تشرب شايك البارد، تتصفح هاتفك، وتلقي نظرة عابرة على ظلك الممدد على الجدار المقابل. كنت أظنه مجرد غياب للضوء، مجرد صورة سلبية مطيعة. لكن ماذا لو أخبرتك أن الظل ليس غياباً للنور.. بل حضوراً لشيء آخر؟
بدأ الأمر معي بشكل سخيف لا يستحق الذكر. كنت أقلب القنوات التلفزيونية بملل، حين لاحظت أن ظل يدي على الحائط تأخر في الحركة. ليس كثيراً، ربما جزءاً من الثانية؛ كأن شخصاً آخر يقلدني ولا يتقن التمثيل. ضحكت يومها، بل وتذكرت وأنا أخلد للنوم أنني بحاجة لنظارة جديدة، أو ربما للنوم مبكراً. كم كنت ساذجاً! لأن ما حدث في الليلة التالية لم يترك مجالاً للضحك إطلاقاً.
كنت أقرأ كتاباً في سريري، المصباح الجانبي يغمر الغرفة بضوء برتقالي خافت، حين شعرت بالبرد أولاً. ليس برد النافذة المفتوحة، بل برد يزحف على ساقي اليمنى وكأن ثلجاً يلامس جلدي مباشرة من الداخل. رفعت عيني عن الصفحة لأرى ظلي على الحائط المقابل جالساً في وضعية مختلفة تماماً عن وضعيتي! أنا كنت مستلقياً على وسادتي، أما هو فكان منتصباً، مائلاً برأسه قليلاً، كمن يقرأ فوق كتفي. تجمدت للحظة، ثم استجمعت شجاعتي ورفعت يدي اليمنى ببطء لأتأكد. الظل.. لم يرفع يده. بدلاً من ذلك، أمال رأسه أكثر، وكأنه يقول لي بصمت: "لقد لاحظتني أخيراً".
قفزت من السرير مفزوعاً، أنقر مفتاح الإضاءة الرئيسية بيد ترتجف. غمر النور الأبيض القاسي الغرفة، واختفى كل ظل. تنفست الصعداء، ظناً مني أن النور طرد كل شيء. لكن السؤال المخيف الذي باغتني حينها كان: أين ذهب؟ أين تذهب الظلال عندما تشعل كل الأضواء؟ هل تختفي فعلاً، أم أنها تتراجع فقط.. إلى الخلف، إلى الزوايا، تحت سريري، خلف خزانتي، تنتظر بصبر أن أطفئ النور مجدداً؟
الليلة الثالثة كانت الأسوأ. لم أعد أثق في الظلام، تركت المصباح الصغير مضاءً عمداً وغطيت وجهي باللحاف كطفل مذعور. لكنني سمعته. نعم، سمعت ظلي. صوت خفيف، ليس كلاماً واضحاً، بل أشبه بخشخشة أوراق جافة أو أظافر تخدش القماش بخفة. أزحت اللحاف عن وجهي ببطء شديد، لأجد الظل لم يعد على الحائط. كان على السقف، مباشرة فوقي، يشبهني تماماً لكنه مقلوب، يحدق بي من الأعلى بلا وجه، مجرد هيئة سوداء مسطحة، ومع ذلك.. كان يبتسم. ليس له فم، لكنني رأيت الابتسامة بطريقة ما؛ كأن الفراغ الأسود في موضع فمه انحنى للأعلى.
في تلك اللحظة، فهمت حقيقة مرعبة: ظلي لا يتبعني، بل يراقبني. يراقبني منذ اليوم الأول الذي وعيت فيه على هذا العالم. كم مرة اعتقدت أنك وحدك في الغرفة فأخرجت أسوأ ما فيك؟ عاداتك السرية، دموعك المكبوتة، همساتك للفراغ، نوبات غضبك الصامتة.. ظلك رأى كل ذلك، حفظه، والآن بدأ يتعلم كيف يكون أنت. ليس الانعكاس البريء في المرآة، بل ذاك الشيء الأسود المسطح الذي يلتصق بأقدامنا نهاراً.. ثم يتمدد ليلاً كوحش جائع فوق الجدران والأسقف، يتذوق عزلتنا.
الليلة الماضية، لم أعد أنا. أعني، ما زلت أتنفس وأكتب هذه الكلمات، لكنني لم أعد متأكداً من هويتي. حين أطفأت كل الأنوار لأختبر شجاعتي، وجدت الظل ينهض عن الحائط. لم يعد مسطحاً، صار له عمق، له ثقل، وقف أمامي في العتمة كهيئة سوداء ثلاثية الأبعاد. مد يده نحو صدري، لم أشعر بلمس، بل شعرت بشفط روحي، بشيء يسحبني نحو الداخل، نحوه هو. أدركت فجأة أنني وطوال ثلاثين عاماً، كنت مجرد مسودة أولية، والظل هو النسخة النهائية التي تنتظر لحظة الاستلام.
الآن، أجلس أكتب هذا التحذير الأخير تحت مصباح واحد، أرفع عيني للمرآة بين الحين والآخر لأتأكد أن لي وجهاً بعد. لا تكرر خطئي. حين تجلس وحيداً الليلة، لا تنظر إلى ظلك طويلاً. لا تتأمل تمايله، لا تراقب إن كان يتنفس، والأهم.. إن لاحظت أنه ابتسم لك، فلا تبتسم له أبداً. اهرب. اهرب قبل أن تدرك أنك لم تعد تدري من منكما الواقف في النور، ومن منكما صار الظل.