همسات تحت الدرج
همسات تحت الدرج
لم تكن سارة تؤمن بالأشباح، لذلك لم تهتم عندما حذرها سكان القرية من السكن في منزل جدتها القديم. كان المنزل هادئًا، تحيط به أشجار ضخمة تمنع ضوء الشمس من الوصول إلى النوافذ.
في الليلة الأولى، استيقظت على صوت خافت يشبه الهمس. اقتربت من باب غرفتها، لكن الصوت توقف فجأة.
في الليلة التالية عاد الصوت، أوضح هذه المرة، وكأنه ينادي اسمها.
“سارة...”
تتبعت مصدره حتى وصلت إلى الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق السفلي. كان الباب مغلقًا بقفل صدئ لم تلاحظه من قبل.
في صباح اليوم التالي سألت أحد كبار السن في القرية، فتغير لون وجهه وقال: “لا تفتحي ذلك الباب مهما سمعت.”
لكن الفضول كان أقوى.
مع حلول منتصف الليل، أحضرت مفتاحًا قديمًا وجدته داخل درج في غرفة جدتها. وبمجرد أن أدخلته في القفل، انفتح الباب بصرير طويل.
هبطت الدرج ببطء، وكان الهواء يزداد برودة مع كل خطوة.
في القبو وجدت غرفة صغيرة تتوسطها مرآة ضخمة مغطاة بقماش أسود.
ما إن رفعت القماش حتى رأت انعكاسها... لكنه لم يكن يقلد حركاتها.
ابتسم انعكاسها بينما كانت هي واقفة في مكانها، ثم رفع يده ولوّح لها.
تراجعت مذعورة، لكن المرآة بدأت تتشقق، وخرجت منها يد شاحبة أمسكت بمعصمها بقوة.
صرخت بكل ما أوتيت من قوة، واستطاعت الإفلات بصعوبة، ثم ركضت نحو الدرج.
قبل أن تغلق الباب سمعت صوتًا يقول:
“كان يجب أن تبقي... لقد انتظرناك طويلًا.”
في صباح اليوم التالي، وجد أهل القرية المنزل خاليًا تمامًا.
لكن الغريب أن المرآة أصبحت تعكس فتاة جديدة تقف داخلها... كانت سارة.
ومنذ ذلك اليوم، كل من يقترب من المنزل ليلًا يسمع صوت فتاة تستغيث، بينما تظهر خلفها عشرات الوجوه المظلمة تبتسم في صمت.
ولا يزال باب القبو يُفتح وحده كل ليلة... كأنه ينتظر ضحية جديدة.لم تختفِ سارة كما ظن الجميع…
فتحت عينيها لتجد نفسها داخل غرفة مظلمة لا نهاية لها، أرضها سوداء لامعة كأنها زجاج، والجدران مجرد ضباب كثيف. في كل اتجاه كانت ترى عشرات المرايا، وكل مرآة تعكس شخصًا يصرخ ويضرب الزجاج من الداخل.
اقتربت من إحدى المرايا، فرأت طفلًا يبكي ويهمس:
“لا تنظري إليها... إنها تراك.”
تجمدت في مكانها.
في آخر الغرفة ظهرت امرأة ترتدي فستانًا أسود قديمًا، ووجهها مخفي بشعر طويل. كانت تسير ببطء، لكن كل خطوة تخطوها كانت تجعل المرايا تهتز وكأنها على وشك الانفجار.
همست المرأة بصوت بارد:
“كل من فتح الباب... أصبح جزءًا من المنزل.”
ركضت سارة بكل قوتها، لكن المكان كان يتغير باستمرار. كلما وصلت إلى مرآة ظنت أنها المخرج، وجدت نفسها في الممر نفسه.
فجأة سمعت طرقات تأتي من الجهة الأخرى.
كان أهل القرية قد دخلوا المنزل يبحثون عنها.
صرخت سارة بأعلى صوتها، ولوحت بيديها، لكنهم لم يسمعوها. كانوا يرون مجرد مرآة قديمة مغطاة بالغبار.
اقترب أحد الرجال ولمس سطحها، فظهرت بصمة يده من الداخل أيضًا.
أدركت سارة أن عالمها يفصل بينه وبين العالم الحقيقي حاجز رقيق جدًا.
جمعت كل قوتها وضربت الزجاج بقبضتها مرة بعد مرة، حتى ظهرت فيه شقوق صغيرة.
لكن المرأة صاحبة الفستان الأسود التفتت إليها لأول مرة.
كان وجهها بلا عينين... مجرد فراغين أسودين.
ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت:
“إذا خرجتِ... سيدخل غيرك.”
ثم امتدت الشقوق بسرعة في جميع المرايا، وانطفأت الأنوار داخل المنزل كله.
في الخارج، سمع أهل القرية صوت تحطم زجاج، فهربوا مذعورين.
وعندما أشرقت الشمس، كانت المرآة كما هي... سليمة تمامًا.
لكن انعكاسها لم يعد لامرأة واحدة.
بل أصبح يعكس سارة، والطفل، وعشرات الوجوه الأخرى، وكلهم ينظرون إلى من يقترب... وكأنهم ينتظرون اللحظة التي يفتح فيها شخصٌ آخر باب القبو.