همسات  في الظلام

همسات في الظلام

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الصدى الساخر: حين يستعير الظلام صوت من تحب

​المقدمة: غريزة مألوفة

أصعب ما في الخوف ليس مواجهة شيء غريب كلياً، بل رؤية شيء مألوف يتصرف بطريقة مرعبة ومنافية للطبيعة. غريزة الإنسان تدفعه دوماً لتصديق الأصوات التي يحبها ويألفها، لكن في البرية المظلمة، قد يكون ذلك الصوت الدافئ هو الفخ الأخير الذي ينصبه لك الموت.

​الكوخ القديم في أطراف الغابة

عاش "أمين" في كوخ خشبي منعزل يقع على أطراف غابة الصنوبر الكثيفة، وكان يعتني بوالدته العجوز المريضة التي بالكاد تستطيع الكلام أو مغادرة فراشها. وفي إحدى الليالي الشتوية العاصفة، غادر أمين الكوخ متجهاً إلى مخزن الحطب القريب لإحضار بعض الأخشاب للتدفئة. كانت الرياح تعوي بعنف، والظلام دامساً لا يقطعه سوى ضوء مصباحه الزيتي المتأرجح.

​بينما كان يجمع قطع الخشب، تلاشت أصوات الرياح فجأة، وحلّ صمت مطبق وغريب في الأرجاء. وفجأة، اخترق ذلك الصمت صوت هادئ ومألوف جداً يناديه من عمق الأشجار المظلمة:

​"أمين... بني، تعال إليّ، أنا هنا في الظلام"

​تجمد أمين في مكانه، وتملكه رعب شديد؛ لقد كان هذا صوت والدته تماماً، بنبرتها الدافئة ذاتها قبل أن يفتك بها المرض. لكن كيف يعقل هذا؟ فوالدته ترقد في فراشها عاجزة تماماً عن الحركة!

​الاقتراب من الفخ

خطا أمين خطوة مرتجفة نحو مصدر الصوت، ووجه ضوء مصباحه الخافت باتجاه الأشجار الكثيفة وصاح بنبرة قلقة: "أمي؟ هل أنتِ هناك حقاً؟".

جاءه الرد سريعاً، وكان الصوت هذه المرة أقرب بكثير:

​"نعم يا بني... الجو بارد جداً هنا، اقترب لتمسك بيدي"

​بدأ أمين يسير نحو مصدر الصوت مدفوعاً بفضول وقلق مشوبين بالرعب. ومع كل خطوة يخطوها، كان الصوت يتكرر، لكنه بدأ يلاحظ تفصيلاً يثير القشعريرة؛ كانت النبرة متطابقة تماماً في كل مرة، بنفس التنفس، ونفس نبرة التوسل، وكأنها تسجيل صوتي يُعاد تشغيله مراراً وتكراراً بآلية باردة.

​النهاية: الوحش خلف الشجرة

وصل أمين إلى شجرة بلوط ضخمة وميتة، حيث يبدو أن الصوت يصدر من خلف جذعها مباشرة. ببطء، وبأنفاس محبوسة، وجه ضوء مصباحه ليرى ما خلف الشجرة.

​لم تكن هناك والدته. بل كان كائناً رمادياً طويلاً، ممزق الجلد، يقف على قوائم مشوهة. لم يكن له وجه حقيقي، بل مجرد شق أفقي واسع يمتد بين أذنيه، تظهر من خلاله حبال صوتية بشرية منتفخة ومتحركة. وحين وقع ضوء المصباح على الكائن، فتح فمه الواسع وانطلق منه صوت والدته مجدداً، ولكن هذه المرة بضحكة هستيرية مشوهة:

“أمين... بني، تعال إليّ!”

​ألقى أمين المصباح وركض بأقصى سرعة نحو الكوخ، والصدى الساخر يلاحقه في الهواء البارد. دخل الكوخ وأقفل الباب الحديدي وأسند ظهره إليه وهو يلهث بجنون. التفت ليرى غرفة والدته المريضة ليطمئن عليها.

​سار نحو سريرها بخطوات مرتعشة، ونظر إلى وجهها الشاحب النائم بسلام. تنفس الصعداء وهمس بصوت خافت: "أمي، الحمد لله أنك بخير".

وفجأة، فتحت والدته عينيها الجاحظتين، اللتين كانتا فارغتين تماماً من أي ضوء، وقالت بنفس النبرة الآلية المشوهة: "نعم يا بني... الجو بارد جداً هنا".

 

 

 

image about همسات  في الظلام

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohammed Osman تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-