لا تنظر اليه الجزء الاول

تنويه
هذه الرواية من وحي الخيال بالكامل، ولا تمت بصلة إلى أي أحداث أو أشخاص أو مؤسسات حقيقية، وأي تشابه في الأسماء أو الأماكن هو محض صدفة.
كما أن أحداث الرواية لا تمثل حقيقة علمية أو دينية؛ فالخلق والموت والبعث بيد الله وحده، لا شريك له.
قبل البداية
يجب أن تعرف من هو الرجل الذي بدأت معه كل هذه الكارثة...
كان الدكتور ديفيد أندرسون عالمًا أمريكيًا متخصصًا في هندسة الأنسجة والبيولوجيا التجديدية، وقد أمضى سنوات طويلة من حياته في دراسة الخلايا البشرية وكيفية نمو الأنسجة وإعادة بنائها.
كان ديفيد يعمل في واحد من أشهر مراكز الأبحاث الطبية في الولايات المتحدة، وهو معهد هيلزبرغ للأبحاث الحيوية، وهي مؤسسة أنشأت كمركز علمي متقدم يضم نخبة من العلماء والباحثين.
كان المعهد معروفًا عالميًا بأبحاثه المتقدمة في الأنسجة والخلايا والعلاجات التجديدية، وكانت ميزانيته ضخمة، ومختبراته من أكثر المختبرات تطورًا في العالم.
لكن ديفيد لم يكن عالمًا عاديًا.
كان يؤمن أن الإنسان لا يجب أن يكتفي بعلاج الأنسجة التالفة، بل يجب أن يصل إلى مرحلة يستطيع فيها صناعة نسيج حي قادر على الاستمرار والتطور بصورة مستقلة.
في البداية، كان مشروعه يهدف إلى مساعدة المرضى الذين فقدوا أنسجة بسبب الحوادث أو الأمراض.
لكن مع مرور السنوات، بدأ طموحه يتجاوز حدود المشروع.
بدأ ديفيد يعمل سرًا على تجربة لم يكن المعهد يعرف عنها شيئًا.
لم يعد يريد صناعة نسيج.
ولم يعد يريد إصلاح جسد.
كان يريد أن يعرف...
هل يستطيع الإنسان أن يصنع كائنًا حيًا من الأنسجة التي صنعها بنفسه؟
ومن هنا بدأت قصة ٠٠١ إتش إم إم.
ومن هنا...
بدأ كل شيء.
لا تنظر إليّه
الجزء الأول
كان المطر يهطل بغزارة فوق الطريق الضيق المؤدي إلى المبنى المهجور.
لم يكن هناك شيء مميز في المكان من الخارج. مبنى رمادي ضخم، تحيط به الأشجار من كل جانب، ونوافذه مغطاة بطبقة سميكة من الغبار.

منذ شهر واحد فقط كان هذا المكان واحدًا من أهم معامل الأبحاث الخاصة في المنطقة.
الآن لم يبق فيه سوى الصمت.
أوقف أوليفر سيارته أمام البوابة الحديدية، وأطفأ المحرك.
ظل جالسًا لثوانٍ ينظر إلى المبنى.
كان قد سمع الكثير من القصص عنه.
بعض الناس قالوا إن الدكتور ديفيد اختفى.
آخرون قالوا إنه هرب.
أما أكثر القصص غرابة فكانت تقول إن شيئًا خرج من المختبر في الليلة التي اختفى فيها الجميع.
أوليفر لم يكن يؤمن بهذه القصص.
كان مستكشفًا، وقد اعتاد دخول الأماكن المهجورة وتوثيقها. بالنسبة إليه، كل مكان مهجور يخفي قصة، وكل قصة تستحق أن تُكتشف.
أخرج مصباحه وكاميرته وحقيبته، ثم نزل من السيارة.
اقترب من البوابة.
كانت مغلقة.
دفعها بيده.
صرخت المفصلات بصوت حاد، ثم انفتحت ببطء.
دخل.
كانت خطواته فوق الأرض المبللة هي الصوت الوحيد الذي يسمعه.
رفع الكاميرا وبدأ التصوير.
"المعمل الرئيسي للدكتور ديفيد... مهجور منذ شهر تقريبًا."
توقف قليلًا.
"ولا توجد أي معلومات رسمية عن سبب الإغلاق."
رفع نظره إلى المبنى.

"وده بالضبط اللي خلاني أجي."
دخل من الباب الرئيسي.
كان الهواء في الداخل باردًا بشكل غريب.
ليس بردًا طبيعيًا.
كان أشبه ببرودة مكان ظل مغلقًا لفترة طويلة، رغم أن بعض الأجهزة كانت لا تزال تعمل.
مصابيح قليلة في السقف كانت تومض باستمرار.
أضاء أوليفر مصباحه.

كانت هناك مكاتب مقلوبة، أوراق متناثرة، شاشات سوداء، وأجهزة لم يفهم وظيفتها.
اقترب من إحدى الغرف.
على الزجاج كُتبت عبارة:
قسم الأنسجة البشرية الحية.
توقف أوليفر.

ابتسم قليلًا.
"واضح إن الراجل كان بيشتغل في حاجات كبيرة."
فتح الباب.
دخل.
كانت الغرفة مليئة بالأجهزة الطبية.
اقترب من أحدها.
وجد شاشة صغيرة ما زالت مضاءة.
ظهر عليها سطر واحد:
توقف النظام — النموذج ٠٠١.

قطب أوليفر حاجبيه.
"النموذج ٠٠١؟"
التقط صورة للشاشة.
ثم واصل السير.
في نهاية الغرفة وجد بابًا معدنيًا.
كان مختلفًا عن بقية الأبواب.
لا توجد عليه علامة.
ولا مقبض عادي.
فقط لوحة صغيرة بجانبه.
اقترب أوليفر منها.
كانت تحمل بصمة يد.
ضحك بسخرية.
"أكيد مش هتفتح."
وضع يده عليها.

صدر صوت إلكتروني.
ثم انفتح الباب.
تراجع أوليفر خطوة.
نظر إلى يده.
"طيب... دي جديدة."
دخل.
كانت الغرفة مظلمة تمامًا.
أضاء مصباحه.
ظهرت أمامه خزانات زجاجية ضخمة.
فارغة.

اقترب من أحدها.
قرأ الملصق الموجود أسفله.
٠٠١ إتش إم إم.

ظل يحدق في الاسم.
لم يعرف معنى الحروف، لكنه شعر بشيء غير مريح.
أخرج هاتفه والتقط صورة.
ثم وجد جهاز تسجيل صغير فوق أحد المكاتب.
ضغط على زر التشغيل.
في البداية لم يسمع سوى تشويش.
ثم ظهر صوت رجل.

صوت متعب.
كان صوت الدكتور ديفيد.
"اليوم... الرابع عشر من أكتوبر."
صمت.
ثم تابع:
"التجربة نجحت."
تجمد أوليفر.
رفع الصوت.
"لأول مرة... نجح النسيج في الاستمرار خارج الجسم دون أن يفقد نشاطه."

تنفس ديفيد ببطء.
"لكن هذا ليس الهدف."
تغير صوته.
"الهدف الحقيقي هو المرحلة التالية."
توقف التسجيل.
نظر أوليفر إلى الجهاز.
ضغط مرة أخرى.
عاد صوت ديفيد.
"إذا نجحت المرحلة الثانية، فلن نكون قد صنعنا نسيجًا بشريًا."
صمت طويل.
"سنكون قد صنعنا إنسانًا."

انتهى التسجيل.
ظل أوليفر واقفًا في مكانه.
للمرة الأولى منذ دخوله المبنى، بدأ يشعر أنه ربما كان من الأفضل ألا يأتي.
لكنه لم يتراجع.
وجد على المكتب ملفًا سميكًا.
كتب على غلافه:
٠٠١ إتش إم إم
فتحه.
في الصفحة الأولى كان هناك تعريف للمشروع.
إتش إم إم: بشري من صنع الإنسان.
وتحتها:
النموذج رقم: ٠٠١.
قلب الصفحة.
كانت هناك ملاحظات كثيرة.
"النموذج يستجيب للمؤثرات الخارجية."
"النموذج يتعلم بسرعة."
"النموذج يميز الأصوات."

"النموذج بدأ باستخدام كلمات مستقلة."
ثم جملة كتبها ديفيد بخط مختلف، وكأن يده كانت ترتجف:
"النموذج بدأ يسأل."
توقف أوليفر.
قلب الصفحة.
كانت هناك جملة واحدة:
"سألني: لماذا صنعتني؟"

ظل أوليفر يقرأ.
كان ديفيد قد كتب أن النموذج لم يكن مجرد مجموعة أنسجة.
كان يفكر.
يتعلم.

يتذكر.
ويفهم.
كلما تقدم أوليفر في القراءة، أصبح أكثر اقتناعًا بأن الدكتور ديفيد لم يكن يجري تجربة علمية عادية.
كان يحاول خلق حياة.
لكن الصفحة التالية كانت مختلفة.
كان جزء منها ممزقًا.
والباقي يحمل آثارًا واضحة لمحاولات شطب الكلمات.
لم يبقَ سوى سطر واحد يمكن قراءته:
"لقد بدأ يكره المختبر."
سمع أوليفر صوتًا خلفه.
استدار بسرعة.
لا شيء.
ظل واقفًا.
صمت.
ثم ضحك على نفسه.
"أعصابك بدأت تتعب يا أوليفر."
عاد إلى الملف.
كانت هناك صفحات أخرى.
وفي إحداها وجد تقريرًا مؤرخًا قبل اختفاء ديفيد بأيام.
الحادثة الأولى.
قرأ:
"دخل ثلاثة أطباء غرفة النموذج دون إذن."
"حدث خلاف بينهم وبين ديفيد."
"النموذج كان هادئًا."
ثم سطر آخر:
"بعد عدة دقائق، بدأ النموذج في مهاجمتهم."

ابتلع أوليفر ريقه.
أكمل القراءة.
"لم يهاجم ديفيد."
"بل وقف أمامه فقط."

ثم:
"قال النموذج جملة واحدة."
كان هناك تسجيل صوتي مرفق بالتقرير.
ضغط أوليفر على زر التشغيل.
جاء صوت ديفيد.
كان يلهث.
"أنا لا أعرف ماذا حدث."
صوت آخر ظهر في الخلفية.
هادئ.
بطيء.
بشري.
قال:
“أنا لا أقتل أبي.”

توقف التسجيل.
لم يتحرك أوليفر.
حدق في الجهاز.
ثم أعاد التسجيل.
مرة ثانية.
"أنا لا أقتل أبي."
للمرة الثالثة.
نفس الصوت.
نفس الجملة.
لكن هذه المرة شعر أوليفر بشيء مختلف.
الصوت لم يكن مسجلًا من جهاز التسجيل.
كان الصوت قادمًا من مكان آخر.
من داخل الغرفة.
رفع أوليفر رأسه ببطء.
أطفأ المصباح.
لم يعرف لماذا فعل ذلك.
ربما لأن شيئًا داخله أخبره أن الضوء ليس فكرة جيدة.
ظل واقفًا في الظلام.
استمع.
صوت قطرات ماء.
طنين جهاز.
ثم...
خطوة.
فتح أوليفر عينيه.
خطوة أخرى.
ثم ثالثة.
كان هناك شخص في الممر خارج الغرفة.
اقتربت الخطوات.
توقف الصوت أمام الباب.
لم يتحرك أوليفر.
مرّت عدة ثوانٍ.
ثم ابتعدت الخطوات.
تنفس أوليفر ببطء.
أضاء المصباح.
لم يكن هناك أحد.
اقترب من الباب ونظر إلى الممر.
فارغ.
خرج بحذر.
كان الممر طويلًا.
وفي نهايته باب مفتوح.
فوق الباب علامة:
غرفة النموذج.
تردد.
ثم تقدم.
كل خطوة كانت تبدو أعلى من السابقة.
وصل إلى الباب.
دخل.
كانت الغرفة ضخمة.
في المنتصف منصة معدنية.
وحولها أجهزة كثيرة.
وفي الجانب الآخر، زجاج سميك يفصل غرفة المراقبة.
اقترب أوليفر من الزجاج.
رأى شيئًا على الأرض.
ملابس طبية.
وبجانبها ملف.
اقترب أكثر.
قرأ الاسم.
ديفيد.
تجمد.
هل كان ديفيد هنا؟
هل حدث كل شيء في هذه الغرفة؟
فتح الباب المؤدي إلى غرفة المراقبة.
وجد عشرات الشاشات.
كلها متوقفة.
إلا شاشة واحدة.
كانت تعمل.
ظهر عليها رقم:
٥٩٣
اقترب أوليفر.
أسفل الرقم ظهرت كلمة:
الحالات.
ثم تغيرت الشاشة.
ظهرت قائمة طويلة من الأسماء.
خمسة وتسعون؟
لا.
خمسمائة وثلاثة وتسعون اسمًا.
593 شخصًا.

توقف أوليفر عن التنفس للحظة.
بدأ يقلب الصفحات الموجودة بجانب الشاشة.
كانت ملفات وفاة.
أشخاص من أماكن مختلفة.
أعمار مختلفة.
وظائف مختلفة.
لكن هناك ملاحظة واحدة تكررت في كل الملفات:
لا توجد علامات اعتداء واضحة.
وتحتها ملاحظة أخرى:
آخر شيء شاهده الضحية: شخص مجهول.
فتح أوليفر ملفًا آخر.
وجد صورة مشوشة.
صورة التقطتها كاميرا مراقبة.
كان فيها شخص يقف في نهاية ممر.
طويل.
نحيف.
ساكن تمامًا.
وجهه غير واضح.
لكن عينيه كانتا واضحتين.

أغلق أوليفر الملف فورًا.
ثم لاحظ شيئًا.
كانت هناك جملة مكتوبة على الحائط خلف الشاشة.
لم تكن موجودة في الصور القديمة.
ولا في الملفات.
كانت مكتوبة بخط أسود:
لا تنظر إليه.

تراجع أوليفر.
ثم سمع صوتًا.
"أوليفر."
تجمد.
لم يكن الصوت من التسجيل.
كان صوتًا حقيقيًا.
جاء من خلفه.
استدار ببطء.
لم يرَ أحدًا.
"مين هناك؟"
صمت.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
لكن هذه المرة من جهة مختلفة.
"أوليفر."
أطفأ المصباح.
بدأ قلبه يخفق بسرعة.
تذكر الجملة التي قرأها:
لا تنظر إليه.
لم يكن يعرف لماذا.
لكنه شعر أن الجملة لم تكن تحذيرًا عاديًا.
كان هناك شيء في المكان.
شيء يراقبه.
بدأ أوليفر يتحرك ببطء نحو الباب.
لا ينظر خلفه.
خطوة.
ثم خطوة.
ثم...
سمع تنفسًا قريبًا جدًا منه.
توقف.
لم يلتفت.
كان هناك شخص يقف خلفه.
أو شيء.
ظل أوليفر يحدق في الأرض.
لم يرَ سوى قدمين.
قدمان حافيتان.
ساكنتان.
كان يستطيع أن يرى ظلهما على الأرض.

لكن شيئًا غريبًا حدث.
الظل لم يتحرك مع الضوء.
بل تحرك وحده.
بدأ يقترب منه.
تراجع أوليفر بسرعة.
اصطدم بالطاولة.
سقط الملف من يده.
فتح الملف على الأرض.
كانت الصفحة الأخيرة تحتوي على ملاحظة بخط ديفيد:
"إذا كنت تقرأ هذا، فلا تبحث عني."
ثم سطر أسفلها:
"ابحث عن عينيه."
لم يفهم أوليفر.
ثم أدرك.
العبارة لم تكن تطلب منه البحث عنه.
كانت تحذره من شيء آخر.
سمع صوتًا خلفه.
هادئًا جدًا.
"لماذا لا تنظر إليّ؟"
تجمد أوليفر.
لم يرد.
اقترب الصوت.
"أنا أريد أن أراك."
بدأ أوليفر في التراجع.
لم ينظر إلى الوجه.
كان ينظر فقط إلى الأرض.
وفجأة انطفأت جميع الأنوار.
ركض.
لم يعرف إلى أين.
ركض في الممرات.
اصطدم بالأبواب.
سقط.
نهض.
سمع خطوات خلفه.
أسرع.
ثم رأى باب الخروج.
اندفع نحوه.
خرج من المبنى.

ركض حتى وصل إلى سيارته.
فتح الباب ودخل.
أدار المحرك.
وانطلق.
لم يتوقف إلا بعد عدة كيلومترات.
جلس في السيارة يحاول استعادة أنفاسه.
ظل صامتًا.
ثم نظر إلى الكاميرا الموجودة بجانبه.
كان قد نسي شيئًا.
التسجيل.
أخذ الكاميرا.
شغل آخر مقطع.
ظهر المختبر.
ظهر أوليفر وهو يدخل غرفة النموذج.
ثم تحركت الكاميرا قليلًا.
وفي خلفية الصورة...
كان هناك شخص يقف خلفه.
أوقف أوليفر التسجيل.
عاد إليه.
ثم شغله مرة أخرى.
الشخص كان موجودًا.
لم يكن خطأ في الصورة.
لم يكن ظلًا.
كان يقف خلفه مباشرة.
وجهه في الظلام.
لكن عينيه...
كانتا واضحتين تمامًا.

أغلق أوليفر الكاميرا.
ثم نظر إلى مرآة السيارة.
لم يكن هناك شيء.
تنفس براحة.
أدار السيارة ليعود إلى منزله.
لكنه لم يلاحظ شيئًا.
في المقعد الخلفي...
كان هناك شخص يجلس في الظلام.
لم يتحرك.
لم يصدر صوتًا.
فقط نظر إلى أوليفر عبر المرآة.
وعندما توقفت السيارة أمام منزل أوليفر، فتح الكيان عينيه ببطء.
ثم ابتسم.
لأن أوليفر...
لم يكن قد لاحظه بعد.

يتبع...