ساعة الزمن والرجل العجوز

ساعة الزمن والرجل العجوز

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ساعة الزمن 

في بلدة "أولميا" الصغيرة، حيث البيوت الخشبية المتراصّة والشوارع المرصوفة بالحصى، 

كان يعيش عجوز يُدعى "توماس". لم يكن توماس رجلاً عادياً، بل كان صانع الساعات الأكثر مهارة في المحافظة. كانت ورشته الصغيرة تزدحم بساعات الحائط، وساعات الجيب، والبنادول التي تتحرك بتناغم غريب يصنع لحناً هادئاً يبعث على الطمأنينة.في أحد مساءات الخريف الباردة، وبينما كان توماس يستعد لإغلاق ورشته، رنّ جرس الباب النحاسي. دخل رجل غريب يرتدي معطفاً طويلاً داكناً وقبعة أخفت ملامح وجهه. تقدم الغريب نحو الطاولة ووضع صندوقاً خشبياً صغيراً ملفوفاً بالحرير الأسود. قال بصوت يشبه حفيف أوراق الشجر الجافة: "أصلح لي هذ

ه، ولك ما تشاء من المال، لكن احذر... لا تقم بتقديم عقاربها أبداً". وقبل أن يسأله توماس عن الهوية أو التفاصيل، اختفى الرجل في ضباب الليل.فتح توماس الصندوق بحذر، ليتفاجأ بساعة جيب ذهبية لم يرَ مثلها قط. كانت مغطاة بنقوش فلكية دقيقة، وتتحرك تروسها الداخلية بحركة سحرية مغناطيسية دون أي صوت. الغريب في الأمر أن عقاربها كانت تتحرك للخلف ببطء شديد. انكبّ العجوز على طاولته، واستخدم عدسته المكبرة لتفكيك القطع وتنظيف التروس الفضية الصغيرة. أمضى الليل بطوله يعمل بشغف، حتى تمكن أخيراً من إعادة التوازن لترسها الرئيسي.عند الفجر، وبسبب التعب الشديد، نسي توماس تحذير الغريب. أراد فقط أن يضبط الساعة على الوقت الحالي للبلدة، فمسك الترس الجانبي وقام بتقديم العقارب بضع دورات إلى الأمام. 

في تلك اللحظة، شعّت الساعة بنور ذهبي مبهر، واهتزت جدران الورشة بقوة. شعر توماس بدوار شديد، وأغلق عينيه من شدة الضوء.عندما فتح عينيه، ساد صمت غريب. لم يكن هناك صوت لقراد الساعات في ورشته. نظر من النافذة، وصُدم بما رأى. كانت البلدة قد تغيرت تماماً؛ البيوت الخشبية اختفت وحلت مكانها أبراج زجاجية شاهقة تلامس السحاب، والناس يرتدون ملابس براقة غريبة ويتحدثون عبر أجهزة شفافة، بينما تحلق مركبات فضية صغيرة في الهواء عوضاً عن العربات والخيول.

 لقد قفز بالزمن مئات السنين نحو المستقبل!انتاب الرعب قلب توماس. أدرك فوراً أن الساعة الذهبية لم تكن آلة لقياس الوقت، بل كانت أداة للتحكم فيه. تذكر تحذير الرجل الغريب، وفهم أن تقديم العقارب دفعه إلى الأمام في خط الزمن. نظر إلى الساعة في يده، وبدأ يحاول يائساً تدوير العقارب إلى الخلف لإصلاح خطئه، لكن الترس الجانبي كان عالقاً تماماً ولا يتزحزح.بينما كان يحاول جاهداً، ظهر الرجل الغريب نفسه فجأة وسط الورشة المستقبلية، لكن هذه المرة بدا وجهه واضحاً؛ كان شاباً يعيش في هذا العصر المتطور. ابتسم الشاب وقال: "لقد حذرتك يا توماس. أنا مسافر عبر الزمن من هذا العصر، وكنت بحاجة لمهارتك الفريدة لإصلاح ساعة أجدادي، لكن فضولك دفعك إلى هنا".توسل إليه توماس قائلاً: "أرجوك، أعدني إلى زمني. حياتي، ذكرياتي، وساعاتي كلها هناك. لا مكان لي في هذا العالم الزجاجي البارد".

أخذ الشاب الساعة من يد توماس، وضغط على زر سري في قاعدتها فتحرر الترس العالق. قال للشاب: "الماضي والمستقبل مجرد وجهات، لكن الحاضر هو بيتك الحقيقي". أدار الشاب العقارب إلى الخلف بقوة، ليعود النور الذهبي ليعصف بالورشة من جديد.استيقظ توماس ليجد رأسه مستنداً إلى طاولته الخشبية القديمة. كانت الشمس تشرق من نافذته، وصوت الساعات يملأ المكان بدفئه المعتاد. نظر حوله ليتأكد؛ كانت البلدة القديمة كما هي. وعلى الطاولة، اختفت الساعة الذهبية، وحل مكانها كيس صغير مليء بالقطع الذهبية الأثرية، ومعه رسالة صغيرة كُتب فيها: "شكراً لك يا صانع الوقت". ومنذ ذلك اليوم، عاش توماس سعيداً، ولم يحاول يوماً أن يسبق وقته.

image about ساعة الزمن والرجل العجوز
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Shahd yasser تقييم 5 من 5.
المقالات

6

متابعهم

2

متابعهم

3

مقالات مشابة
-