الغرفة رقم 308: الميزانية المفقودة" غرفة الفندق

الغرفة رقم 308: الميزانية المفقودة" غرفة الفندق

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

غرفه الفندق image about الغرفة رقم 308: الميزانية المفقودة

لم يكن أمام رامي، المحاسب القانوني المعتمد لشركة استثمارية كبرى، أي خيار آخر. لقد كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، والمدير التنفيذي اتصل به مهدداً: "إذا لم يتم تسليم التدقيق الختامي للميزانية السنوية قبل الساعة السادسة صباحاً، فاعتبر نفسك مطروداً". وبسبب عاصفة رعدية مفاجئة شلت حركة المرور في وسط المدينة، اضطر رامي للبحث عن أقرب مكان للمبيت والتركيز. لم يجد أمامه سوى فندق "البلاد القديم"، وهو مبنى أثري يعود لبدايات القرن الماضي، واجهته حجرية كئيبة ونوافذه مغبرة يوحي مظهره بالوحشة.

دخل رامي إلى الردهة التي كانت تفوح منها رائحة السجاد الرطب وورق الجدران العفن. استقبله موظف الاستقبال، وهو رجل عجوز شاحب البشرة يرتدي بدلة مهترئة، ونظر إليه بعينين غائرتين وكأنه يرى شبحاً. منحه المفتاح النحاسي الثقيل وقال بنبرة خافتة وجافة: "الغرفة رقم 308 في الطابق الثالث... نصيحة لك يا بني، إذا بدأت الساعة تدق بعكس عقاربها، فلا تحاول النظر إلى الجدران". هز رامي رأسه ساخراً من هذه الخرافات، وصعد بالمصعد الخشبي القديم الذي كان يصدر صريراً مرعباً.

وصل إلى الغرفة 308. كانت ضيقة بشكل خانق، تحوي سريراً حديدياً قديماً، ومكتباً خشبياً عتيقاً تعلوه أتربة السنين، وفوقه مصباح مكتبي يخرج منه ضوء أصفر شاحب. ما لفت انتباه رامي فور دخوله هو ورق الحائط؛ كان مقلماً بخطوط عمودية سوداء ورمادية بشكل غريب ومتناسق. جلس رامي على الكرسي الخشبي، وفتح حاسوبه المحمول، وأخرج الدفاتر الحسابية وبدأ في العمل والتدقيق بجنون، والأرقام تتراقص أمام عينيه.

عند حلول الساعة الواحدة صباحاً، شعر رامي بضيق فجائي وحاد في صدره. الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً جداً، ورائحة العفن تحولت إلى ما يشبه رائحة غبار المقابر. التفت رامي حوله ليتنفس، فلاحظ شيئاً غريباً مرعباً على الجدار المقابل له؛ الخطوط السوداء على ورق الحائط لم تكن رسوماً مطبوعة.. لقد كانت عبارة عن مئات الخطوط الصغيرة المحفورة يدوياً وعمودياً في الجدار، تماماً مثل تلك الخطوط التي يحفرها السجناء بأظافرهم لعدّ الأيام في الزنازين المظلمة!

نظر رامي إلى ساعة يده، وتجمد الدم في عروقه؛ كانت عقارب الساعة تدور بسرعة جنونية.. لكن إلى الخلف! وفجأة، سمع صوت حفيف ناعم ومقزز يصدر من خلفه مباشرة، كصوت خربشة أظافر حادة تشق الورق. التفت برعب مصوباً كشاف هاتفه نحو الجدار، ليرى خطاً جديداً عميقاً يُحفر تلقائياً في الجدار أمام عينيه، ويتساقط منه غبار الإسمنت الرطب، وكأن إصبعاً خفياً غير مرئي ينقشه بعنف وقوة. ومع نهاية حفر الخط، ساد صمت مطبق ومخيف، ثم انطفأت شاشة حاسوبه الحديث فجأة.

حاول رامي تشغيل الحاسوب، لكن الشاشة اشتغلت من تلقاء نفسها لتعرض نظاماً غريباً باللون الأسود، وبدأت تظهر أرقام حمراء مضيئة كالجمر، بدأت عداً تنازلياً سريعاً من الرقم: [03:00:00]. وفي نفس اللحظة، دوت قعقعة قوية؛ لقد انقفل قفل الباب الحديدي للغرفة من تلقاء نفسه وبقوة خارقة، وسُمع صوت الترباس وهو يتحرك ليحبسه بالداخل.

انتاب الهلع رامي، فركض نحو الباب وأخذ يضرب بقبضتيه ويصرخ مستغيثاً: "افتحوا الباب! أنا محبوس هنا!". لكن لم يأته أي رد سوى صدى صوته الذعِر. عندما التفت مجدداً نحو الغرفة، رأى الكابوس الحقيقي الذي شل أطرافه؛ جدران الغرفة الأربعة كانت تتحرك ببطء شديد وتزحف نحو الداخل! كانت الرفوف والسرير يضغطان ببطء نحو مركز الغرفة، والمساحة تضيق وتلتهم الفراغ، بينما بدأ صوت همس خافت ومتعدد الطبقات ينبعث من زوايا السقف يتردد بكلمات مرعبة: "الوقت ينفد.. والساعة تطلب الفائدة.. ادفع عمرك!". كانت الغرفة تضيق لتعصره، والعداد على الشاشة يهبط بجنون، محاصراً إياه في بقعة صغيرة جداً في المنتصف والبرودة الشديدة تجمد أطرافه...

(نهاية الجزء الأول)

 

يتبع……….

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
هذا ما حدث هنا ؟ تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-