الغرفة رقم 14
الغرفة رقم 14
لم أكن أؤمن بالخرافات يوماً، ولم تستهوني قصص الأشباح التي يتبادلها الأصدقاء في ليالي الشتاء. عندما وجدت تلك الشقة في الطابق الأخير من عمارة قديمة في منطقة "محطة الرمل"، كان سعرها الزهيد ومساحتها الواسعة هما كل ما يهمني. الجدران كانت تحمل رطوبة السنين وتشققات تشبه الخرائط القديمة، والأرضية الخشبية تصدر صريراً مكتوماً مع كل خطوة، لكنها كانت تناسب ميزانيتي كشاب مغترب يبحث عن بداية جديدة.
أتذكر جيداً نظرة "عم سيد" بواب العمارة، حين سلمني المفاتيح. كانت يداه ترتجفان قليلاً، وعيناه تتفاديان النظر إليّ مباشرة. قال بصوت خافت أبح: "لو احتجت حاجة بالنهار أنا موجود يا ابني، بس بالليل أنا بقفل باب غرفتي ومابسمعش حد". سألته عن الساكن السابق، فتلعثم وأخبرني أنه ترك الشقة فجأة وسافر دون أن يأخذ حتى ملابسه. لم أهتم حينها، فقد كنت أبحث عن السرير لألقي عليه بجسدي المنهك.
مرت الليلة الأولى بسلام، أو هكذا ظننت. في الليلة الثانية، وتحديداً عند الثالثة والربع فجراً، استيقظت على صوت احتكاك خشن. كأن أحدهم يجر قطعة أثاث ثقيلة جداً على الأرضية الخشبية. كان الصوت يأتي من الصالة. حبست أنفاسي، وسحبت الغطاء حتى ذقني وأنا أستمع في ظلام الغرفة الدامس. "ربما هو الجار في الطابق السفلي"، أقنعت نفسي بذلك، رغم أن الصوت كان قريباً... قريباً لدرجة أنني شعرت باهتزاز الأرضية تحت سريري. توقف الصوت فجأة، وتبعه هدوء مميت. لم أستطع النوم بعدها حتى أشرقت الشمس.
في الصباح، خرجت من الغرفة بحذر، لأجد الكرسي الخشبي العتيق -الذي تركته بجوار باب الشقة- قد استقر في منتصف الصالة تماماً، مواجهاً لباب غرفتي المغلق. كأن أحداً كان يجلس عليه ويراقبني عبر الباب. سرت قشعريرة باردة في عمودي الفقري. هل كنت أمشي أثناء نومي؟ لم يسبق لي أن عانيت من هذه الحالة. أعدت الكرسي إلى مكانه، وغادرت إلى عملي وأنا أحاول طرد الأفكار السوداء من رأسي.
قررت في تلك الليلة أن أقطع الشك باليقين، وأثبت لنفسي أنني أتوهم. قمت بتحميل تطبيق لتسجيل الصوت على هاتفي، وضعته على الطاولة المجاورة للسرير، وضغطت على زر التسجيل قبل أن أغفو.
استيقظت في اليوم التالي وأشعة الشمس تملأ الغرفة. شعرت براحة غبية لأنني لم أستيقظ على أي صوت طوال الليل. قمت بإعداد كوب من القهوة، وجلست على حافة السرير أفتح التطبيق. كان هناك تسجيل مدته سبع ساعات. قمت بتسريع المقطع ومراقبة ذبذبات الصوت على الشاشة، حتى وصلت إلى الساعة 3:15 فجراً. كانت هناك ذبذبات مرتفعة.
أرجعت المقطع قليلاً وبدأت الاستماع. هنا توقف قلبي تقريباً.
بدأ الصوت... نفس صوت الاحتكاك الخشن، لكنه هذه المرة كان واضحاً، بطيئاً، ومخيفاً. كان يقترب. ليس في الصالة، بل داخل غرفتي. باب الغرفة كان مغلقاً من الداخل، لكن الصوت كان معي في نفس الحيز. سمعت صوت أنفاسي المنتظمة في التسجيل وأنا نائم، وفجأة تداخل معها صوت أنفاس أخرى... أنفاس ثقيلة، ومتقطعة، كأنها تصدر من صدر شخص يختنق.
تسمرت في مكاني وعيناي تتسعان رعباً. في التسجيل، اقتربت الأنفاس الثقيلة من الهاتف، سمعت صوت حركة قماش خفيفة كأن أحداً ينحني فوق الطاولة، ثم همسة مبحوحة، قريبة جداً من الميكروفون، قالت بوضوح تام وبنبرة خالية من الحياة: "لماذا تتظاهر بالنوم؟ أنا أعرف أنك تسمعني".
سقط الهاتف من يدي واصطدم بالأرضية الخشبية. لم تكن هذه هي المشكلة. المشكلة الحقيقية أنني، وفي تلك اللحظة بالذات، بينما أجلس على حافة سريري في وضح النهار وأرتجف من الرعب... شعرت ببرودة شديدة تلامس كاحلي من الأسفل، وسمعت نفس الهمسة المبحوحة تأتي من تحت السرير مباشرة: "أخيراً... استيقظت".
please login to be able to comment