الطَّرْقَةُ التي جاءت من داخل القبر في قريةٍ صغيرة، كان هناك قبرٌ قديم لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه بعد منتصف الليل...

الطرقة التي جاءت من داخل القبر
لم يكن أحد في قرية «الصفصاف» يجرؤ على الاقتراب من المقابر القديمة بعد غروب الشمس. لم تكن المقابر مخيفة في شكلها، لكنها كانت تقع في نهاية طريق ضيق تحيط به أشجار جافة، وكان أهل القرية يتناقلون منذ عشرات السنين حكاية غريبة عن قبر مهجور لا يحمل اسمًا.
كان القبر يقع بعيدًا عن بقية القبور، وفوقه حجر أسود كُتبت عليه كلمات تآكل معظمها بفعل الزمن.
وفي إحدى الليالي، سمع أهل القرية صوتًا غريبًا.
ثلاث طرقات.
«دق... دق... دق.»
ثم صمت.
تكرر الصوت في الليلة التالية، وفي الليلة التي بعدها. وكلما سأل أحدهم عن مصدره، كان الجميع يجيبون:
«إنه يأتي من المقبرة.»
ضحك «سليم»، وهو شاب في الثلاثين من عمره، عندما سمع الحكاية في أحد مجالس القرية.
قال ساخراً:
— ربما يكون حيوانًا عالقًا هناك.
رد عليه رجل عجوز كان يجلس في زاوية المجلس:
— الحيوانات لا تطرق القبور يا بني.
نظر سليم إليه مبتسمًا، لكنه لاحظ أن الرجل كان يتحدث بجدية شديدة.
في تلك الليلة، لم يستطع سليم النوم. كان صوت الطرقات يتردد في رأسه.
دق... دق... دق.
وعندما اقتربت الساعة من الثانية بعد منتصف الليل، سمع الصوت بالفعل.
كان قادمًا من بعيد.
نهض سليم وفتح النافذة.
دق... دق... دق.
هذه المرة كان الصوت أوضح.
قرر أن يذهب إلى المقبرة في الصباح.
لكن قبل أن ينام، سمع شيئًا جعله يتجمد في مكانه.
دق... دق... دق.
ثم جاء صوت خافت من الخارج:
— سليم...
تراجع الشاب عن النافذة.
لم ينم حتى طلوع الفجر.
في اليوم التالي، حمل مصباحًا واتجه إلى المقابر. كان يحاول إقناع نفسه بأن ما حدث مجرد وهم بسبب التعب.
وصل إلى القبر الأسود.
كان المكان هادئًا بشكل غير طبيعي.
اقترب سليم من القبر، وفحص الحجر. كانت الكلمات القديمة بالكاد تُقرأ:
«لا تفتح الباب... مهما سمعت.»
تجمدت يداه.
أي باب؟
القبر لم يكن له باب، بل مجرد حجر يغطي المدخل.
وفجأة...
دق... دق... دق.
جاء الصوت من أسفل قدميه مباشرة.
تراجع سليم بسرعة.
ثم سمع صوتًا خافتًا:
— سليم... ساعدني.
كان الصوت يشبه صوت والده المتوفى منذ عشر سنوات.
جلس سليم على الأرض من شدة الصدمة.
— أبي؟
جاء الرد:
— افتح القبر يا بني.
اقترب سليم من الحجر، لكنه تذكر تحذير العجوز.
«لا تفتح الباب مهما سمعت.»
عاد إلى القرية وأخبر العجوز بما حدث.
تغير وجه الرجل.
قال:
— كان يجب ألا تسمع صوت أبيك.
سأله سليم:
— لماذا؟
أجاب العجوز:
— لأن الشيء الموجود تحت ذلك القبر يعرف أصوات الموتى... ويستخدمها لخداع الأحياء.
سأله سليم:
— وما هو؟
صمت الرجل طويلًا ثم قال:
— لا أحد يعرف. لكن منذ أكثر من خمسين سنة، فتح رجل القبر بعدما سمع صوت أمه. وفي الصباح وجدناه ميتًا أمام منزله، وعيناه مفتوحتان وكأنه رأى شيئًا لا يستطيع وصفه.
مرت أيام، وتوقف سليم عن الذهاب إلى المقبرة.
لكن الطرقات لم تتوقف.
بل أصبحت أقرب.
في إحدى الليالي، استيقظ سليم على صوت الطرق.
دق... دق... دق.
فتح عينيه.
كان الصوت هذه المرة يأتي من داخل منزله.
دق... دق... دق.
ثم سمع صوت أبيه:
— سليم... افتح الباب.
نظر إلى باب غرفته.
كان مغلقًا.
اقترب الصوت:
— أنا بالخارج يا بني.
قال سليم بصوت مرتجف:
— أبي مات منذ عشر سنوات.
ساد الصمت.
ثم جاء صوت آخر، هذه المرة بصوت سليم نفسه:
— إذن من الذي يقف خلفك؟
تجمد الشاب.
ببطء شديد، نظر خلفه.
لم ير أحدًا.
لكن مرآة الغرفة بدأت تتحرك وحدها، وظهر عليها بخار غامض، ثم ظهرت كلمات مكتوبة من الداخل:
«لقد فتحت الباب بالفعل.»
صرخ سليم وركض خارج المنزل.
وفي اللحظة التي وصل فيها إلى الشارع، سمع صوت الطرق مرة أخرى.
دق... دق... دق.
لكن هذه المرة لم يأتِ من المقبرة.
جاء من تحت الأرض أمام منزله.
بدأ الناس يتجمعون حول المكان.
وفجأة تشققت الأرض، وظهر الحجر الأسود نفسه.
صرخ العجوز:
— ابتعدوا!
لكن سليم لم يستطع الحركة.
تحرك الحجر ببطء، وخرج منه ظلام كثيف يشبه الدخان.
ثم ظهر وجه شاحب في الظلام.
كان وجه سليم نفسه.
ابتسم الوجه وقال:
— تأخرت كثيرًا.
وفي صباح اليوم التالي، اختفى سليم.
لم يجد أهل القرية أي أثر له.
أما القبر الأسود، فعاد إلى مكانه وكأن شيئًا لم يحدث.
ومنذ ذلك اليوم، توقفت الطرقات.
لكن العجوز كان يقول دائمًا:
«لا تفرحوا... عندما يتوقف الطرق، فهذا يعني أن الشيء خرج من القبر.»
وبعد سنوات، انتقل رجل غريب إلى القرية.
وفي أول ليلة له، استيقظ الجميع على صوت الطرق القديم.
دق... دق... دق.
ثم جاء صوت من داخل القبر:
— هذه المرة... أريد شخصًا آخر.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد أحد ينام والنافذة مفتوحة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق