المقعد الأخير في الحافلة

المقعد الأخير في الحافلة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about المقعد الأخير في الحافلة

المقعد الأخير في الحافلة

كان خالد يعمل سائقًا لحافلة نقل ليلية، وكانت مهمته تبدأ بعد منتصف الليل وتنتهي مع بزوغ الفجر. لم يكن يحب هذا العمل كثيرًا، لكنه كان يحتاج إلى المال، ولذلك اعتاد الطرق الخالية والركاب القلائل والهدوء الغريب الذي يخيّم على المدينة بعد الساعة الثانية صباحًا.

في إحدى الليالي الممطرة، كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما أوقف الحافلة عند محطة قديمة لا يستخدمها أحد تقريبًا.

لم يكن هناك أي شخص في المحطة.

وبينما كان خالد يستعد للانطلاق، لمح فتاة تقف تحت المطر.

كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، وشعرها مبلل ويتدلى أمام وجهها.

فتحت باب الحافلة.

صعدت الفتاة دون أن تقول شيئًا، ثم جلست في المقعد الأخير.

نظر خالد إليها من المرآة.

قال:

"إلى أين؟"

لم تجب.

أعاد السؤال.

لكنها بقيت صامتة.

تنهد خالد وقال:

"حسنًا، عندما نصل أخبريني."

وانطلقت الحافلة.

كانت الطرق شبه خالية، والمطر يضرب الزجاج بقوة.

بعد دقائق، نظر خالد إلى المرآة مرة أخرى.

كانت الفتاة ما تزال في المقعد الأخير.

لكن شيئًا غريبًا لفت انتباهه.

لم يكن يرى وجهها.

فكلما حاول التركيز، كان شعرها يحجب ملامحها بالكامل.

وصل إلى المحطة التالية.

فتح الباب.

لم ينزل أحد.

استدار نحوها وقال:

"هذه آخر محطة في هذا الطريق."

رفعت الفتاة رأسها ببطء.

ثم قالت بصوت خافت:

"ليس بعد."

شعر خالد بقشعريرة.

قال:

"ماذا تقصدين؟"

أجابته:

"المحطة الأخيرة لم تأتِ بعد."

أغلق الباب وانطلق.

بعد عشر دقائق، بدأ خالد يشعر بأن الطريق أصبح غريبًا.

كان يعرف المدينة جيدًا، لكنه لم يتذكر هذا الشارع.

نظر إلى اللوحات.

لم تكن هناك أسماء.

ثم لاحظ شيئًا أكثر غرابة.

الساعة الموجودة في لوحة القيادة توقفت عند 3:17.

حاول تشغيلها، لكنها لم تتحرك.

نظر إلى المرآة.

الفتاة ما زالت جالسة.

قال:

"من أين ركبتِ؟"

صمتت.

"هل تعرفين هذا الطريق؟"

أجابته:

"نعم."

"إلى أين يقود؟"

رفعت رأسها وقالت:

"إلى المكان الذي توقفت فيه آخر مرة."

توقفت أنفاس خالد.

"ماذا تقصدين؟"

لم تجب.

وفجأة سمع خالد صوتًا يأتي من خلفه.

طرق... طرق... طرق.

استدار بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

لكن الصوت تكرر.

هذه المرة من النافذة الخلفية.

طرق... طرق... طرق.

نظر في المرآة.

اختفت الفتاة.

صرخ خالد:

"أين ذهبت؟!"

نظر إلى المقاعد.

لم يجدها.

ثم سمع صوتها بالقرب من أذنه:

"أنا هنا."

التفت.

كانت تجلس بجانبه.

فقد خالد السيطرة على الحافلة للحظات، وكاد يصطدم بالحاجز.

قالت الفتاة:

"لا تخف."

صرخ:

"انزلي من الحافلة!"

ابتسمت.

ثم أشارت إلى الطريق أمامه.

"وصلنا."

نظر خالد أمامه.

كان هناك جسر قديم.

وفجأة تذكره.

قبل عشر سنوات، كان هذا الجسر قد شهد حادثًا مروعًا لحافلة ليلية سقطت في الوادي.

كان خالد يومها في السادسة عشرة من عمره، وقد سمع عن الحادث في الأخبار.

لكن الشيء الذي لم يكن يعرفه أحد تقريبًا هو أن السائق مات في الحادث، ومعه فتاة صغيرة كانت آخر راكبة في الحافلة.

بدأت يداه ترتجفان.

قال:

"هذا الطريق مغلق منذ سنوات."

قالت الفتاة:

"لكنه لم يُغلق بالنسبة لي."

ضغط خالد على الفرامل.

لم تعمل.

ضغط مرة أخرى.

لا شيء.

كانت الحافلة تتجه نحو الجسر بسرعة.

صرخ خالد:

"لا!"

وفي اللحظة الأخيرة، أغمض عينيه.

ثم...

هدأ كل شيء.

فتح عينيه.

كان جالسًا في حافلته عند المحطة القديمة.

الساعة كانت 3:18 فجرًا.

نظر إلى المقعد الأخير.

كانت الفتاة هناك.

لكن هذه المرة لم تكن وحدها.

كان هناك عشرات الأشخاص يجلسون في المقاعد.

رجال ونساء وأطفال.

وجميعهم كانوا ينظرون إليه بصمت.

قالت الفتاة:

"لا تقلق... هذه المرة لن تتأخر."

فتح خالد باب الحافلة وقفز منها.

ركض باتجاه مركز الشرطة.

كان وجهه شاحبًا، وبدأ يحكي للشرطي ما حدث.

نظر الشرطي إليه باستغراب.

ثم سأله:

"ما رقم حافلتك؟"

أجابه خالد.

تغير وجه الشرطي.

فتح جهاز الحاسوب وبحث عن الرقم.

ثم قال بصوت منخفض:

"هذه الحافلة أُخرجت من الخدمة منذ عشر سنوات."

ضحك خالد بعصبية.

"مستحيل! أنا أقودها كل ليلة."

أدار الشرطي الشاشة نحوه.

ظهرت صورة لحافلة محطمة.

وكان رقمها مطابقًا تمامًا للرقم الذي ذكره خالد.

ثم ظهرت صورة أخرى.

كانت صورة قديمة لضحايا الحادث.

اقترب خالد من الشاشة.

بدأ وجهه يبيض.

كان يقف في آخر الصورة...

هو نفسه.

لكن عمره في الصورة كان ستة عشر عامًا.

وفي أسفل الصورة كُتب:

"الضحايا: 18 شخصًا."

ثم لاحظ خالد شيئًا لم يلاحظه أحد من قبل.

كان اسم الفتاة موجودًا في القائمة.

وبجانبه اسم خالد.

وفي السطر الأخير:

"السائق والراكبة الأخيرة."

رفع خالد رأسه ببطء.

كان الشرطي قد اختفى.

وكان مركز الشرطة فارغًا تمامًا.

ثم سمع صوت محرك حافلة خارج الباب.

اقترب من النافذة.

كانت الحافلة القديمة تنتظره.

فتح بابها بنفسه.

ومن المقعد الأخير جاءت الفتاة تقول:

"هيا يا خالد... لدينا رحلة أخرى."

ومنذ تلك الليلة، أصبح سكان المدينة يرون حافلة قديمة تمر في الشوارع بعد الثالثة فجرًا.

لا تتوقف إلا عندما ترى شخصًا يقف وحيدًا تحت المطر.

والأغرب من ذلك...

أن من يصعد إليها لا يعود أبدًا.

أما المقعد الأخير...

فهو دائمًا محجوز.

لراكب لم يصل بعد.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Amira Alamir تقييم 4.99 من 5.
المقالات

26

متابعهم

46

متابعهم

70

مقالات مشابة
-