سر بائع الألوان وقطرة المطر
سر بائع
الألوان وقطرة المطر
في بلدة هادئة تحيط بها الجبال الخضراء والمزارع الفسيحة، كان يعيش رجل مسن وطيب يدعى "فارس". يعلم جميع أهل البلدة أن عم فارس يمتلك دكاناً صغيراً ومميزاً لبيع أدوات الرسم. لم تكن الألوان التي يصنعها عادية كباقي المتاجر؛ بل كان يركبها يدوياً من مساحيق الزهور النادرة، وأوراق الأشجار، وحبيبات المعادن الملونة. كانت لوحات من يستخدم ألوانه تبدو وكأنها تنبض بالحياة، وتتألق ببريق خاص يسرق الأبصار.
فرشاة من دون روح
في صباح يوم خريفي ممطر، انفتح باب الدكان الخشبي وأصدر صفيراً خفيفاً. دخلت الفتاة الصغيرة "سلمى" وهي تحمل بين يديها كراسة رسم كبيرة وفرشاة تلوين. كانت سلمى تملك شغفاً كبيراً بالرسم، وتقضي ساعات طويلة تخلط الألوان وتجرب الخطوط، لكنها كانت تشعر بالحباط الشديد مؤخراً.
ترددت سلمى قليلاً، ثم تقدمت نحو الطاولة الخشبية التي يجلس خلفها العم فارس وقالت بصوت حزين: “عم فارس، لقد حاولت طوال الأسبوع الماضي رسم لوحة لشخصيتي وللأشياء التي أحبها، لكن الألوان تخرج دائماً باهتة وميتة، وتفقد بريقها فور أن تجف... لماذا لا تثبت الألوان على لوحتي؟”
توقف العم فارس عن خلط الألوان، ونظر إليها بابتسامة دافئة عبر نظارته الصغيرة، ثم قال: “يا بنيتي، الألوان الزيتية والمائية التي نشتريها ترسم فقط ما تراه أعيننا في الظاهر. أما اللوحات التي تعيش وتشع ضوءاً، فهي تحتاج إلى سر خاص... تحتاج إلى ألوان نلتقطها بقلوبنا أولاً قبل فرِشاتنا.”
رحلة البحث عن اللون المفقود
اندهشت سلمى وسألته حائرة: "وكيف أجد هذه الألوان يا عم فارس؟".
أخرج العم فارس من خزانته قارورة زجاجية صغيرة شفافة محكمة الإغلاق، ووضعها في يد سلمى وقال: “اخرجي إلى حديقة الغابة بعد أن يتوقف المطر مباشرة. ابحثي بين الأشجار عن أول قطرة مطر تسقط من طرف أوراق الشجر عندما تشرق الشمس. تلك القطرة ليست ماءً عادياً، بل هي تحمل 'لون الثقة والعطف'، وهو اللون السحري الذي تفتقده لوحتكِ.”
أخذت سلمى القارورة بحماس وركضت نحو الغابة القريبة، واضعة أملها في العثور على تلك القطرة الثمينة.
مواقف تسبق السحر
عندما وصلت سلمى إلى الغابة، كان السحاب يبتعد وشعاع الشمس الأول يبدأ بالظهور من بين الغصون. وبينما كانت تتنقل بين الأشجار وتدقق النظر في أطراف الأوراق، سمعت صوت حفيف خفيف وصوت زقزقة ضعيفة.
التفتت لتجد سنجاباً صغيراً يقف على أرض مبتلة، يحاول جاهداً جمع ثمار البندق التي تناثرت بين الطين بعد العاصفة الممطرة، وكان يبدو عليه التعب والبرد. نسيت سلمى أمر القطرة والقارورة لدقيقة، وجلست على ركبتيها في الطين، وبدأت تساعد السنجاب بهمة وحب، وتجمع له الثمار وتنظفها من التراب حتى امتلأت سلته الخشبية الصغيرة.
نظر إليها السنجاب بعينين تلمعان بالفرح، وقفز بقربها وكأنه يعانق يدها شكراً وامتناناً.
السر الكامن في القلب
في تلك اللحظة بالذات، ورداً على ذلك الموقف الطيب، هبت نسيمات عليلة أهزت غصن شجرة بلوط ضخمة تعلوهما. سقطت قطرة ماء متلألئة كالألماس، ولما لامستها أشعة الشمس، تحولت إلى بريق ذهبي ناصع وسقطت مباشرة داخل القارورة الزجاجية التي كانت تفتحها سلمى!
لم تكن القطرة مجرد ماء؛ بل كانت تنبض بألوان قوس قزح دافئة تعكس مشاعر الفرح والعطف التي ملأت قلب سلمى عندما ساعدت السنجاب.
ركضت سلمى عائدة إلى الدكان، ودمجت القطرة الذهبية مع علبة ألوانها. أمسكت الفرشاة وبدأت ترسم، لكنها لم ترسم وجهها فقط هذه المرة، بل رسمت الغابة والسنجاب والقطرة اللامعة وابتسامتها الصادقة. خرجت اللوحة مبهرة، وثبتت الألوان وبقيت تشع ضوءاً لا يزول.
نظر العم فارس إلى اللوحة بابتسامة فخر وقال: “تذكري دائماً يا سلمى، الجمال الحقيقي والألوان التي لا تبهت أبداً، هي تلك التي نلون بها حياة الآخرين بعطفنا ومساعدتنا.”
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق