المقعد الخشبي الذي علم ليان درساً لا تنساه
المقعد الخشبي الذي علم ليان درساً لا تنساه
في قرية صغيرة تحيط بها الأشجار من كل جانب، كان هناك بيت قديم تعيش فيه طفلة تُدعى ليان مع والدها وجدتها. كانت ليان في العاشرة من عمرها، تحب الرسم والقصص، لكنها كانت شديدة الاستعجال في كل شيء.
إذا بدأت رسم لوحة، أرادت أن تنتهي منها بسرعة. وإذا زرعت زهرة، كانت ترفع التراب كل يوم لترى هل نمت الجذور أم لا. وإذا أخطأت في شيء، كانت تلقي اللوم على أي شخص قريب منها.
وفي يوم من الأيام، أعلنت المدرسة عن مسابقة للرسم بعنوان "شيء يجعل قريتنا أجمل".
فرحت ليان كثيرًا، وقالت لوالدها:
“أنا هكسب المسابقة دي أكيد!”
ابتسم والدها وقال:
“الثقة حلوة يا ليان، لكن الأهم إنك تعملي اللي تقدري عليه وتستمتعي.”
بدأت ليان تفكر في فكرتها. أرادت أن ترسم منظرًا جميلًا للقرية، لكنها لم تجد مكانًا مناسبًا تجلس فيه لترسم.
خرجت تتمشى حتى وصلت إلى حديقة قديمة في نهاية القرية. كانت الحديقة مهملة قليلًا، لكن وسطها كان يوجد مقعد خشبي قديم تحت شجرة كبيرة.
جلست ليان على المقعد، ونظرت حولها.
كان هناك طريق مليء بالأوراق الجافة، وبعض الزهور الذابلة، وسلة مهملات مائلة، وسور يحتاج إلى الطلاء.
قالت لنفسها:
“المكان ده ممكن يبقى أجمل مكان في القرية!”
أخرجت دفترها ورسمت تصورًا للحديقة بعد ترتيبها. ثم عادت إلى البيت بحماس.
في اليوم التالي، أخذت فرشاة صغيرة وكيسًا لجمع الأوراق، وذهبت إلى الحديقة.
بدأت بتنظيف المكان وحدها.
بعد فترة قصيرة، مرّ بها صديقها آدم وقال:
“إنتِ بتعملي إيه؟”
قالت:
“بنظف الحديقة عشان أخليها أجمل مكان في القرية.”
ضحك آدم وقال:
“لوحدك؟ ده المكان كبير جدًا!”
شعرت ليان بالضيق وقالت:
“أنا هخلصه، ومش محتاجة مساعدة.”
واصلت العمل حتى تعبت، لكنها لم تستطع إنهاء كل شيء.
في اليوم التالي، عادت لتجد شيئًا غريبًا.
كانت الأوراق التي جمعتها بالأمس قد سقط بعضها من جديد، وبعض الأغصان الصغيرة كانت على الأرض.
جلست على المقعد القديم وقالت بحزن:
“أنا مش هقدر أعملها.”
وبينما كانت تنظر إلى الأرض، لاحظت كتابة صغيرة محفورة على جانب المقعد.
اقتربت وقرأت:
“المكان الجميل لا يصنعه شخص واحد، بل تصنعه قلوب كثيرة تتعاون.”
ظلت ليان تنظر إلى الكلمات فترة طويلة.
ثم تذكرت كلام والدها عن أهمية التعاون، وتذكرت أيضًا أنها رفضت مساعدة آدم.
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى المدرسة، ووقفت أمام زملائها.
قالت:
“أنا بدأت أنظف الحديقة، لكني اكتشفت إني مش هقدر أعمل كل حاجة لوحدي. مين يساعدني؟”
رفع آدم يده فورًا وقال:
“أنا!”
ثم قالت مريم:
“وأنا أقدر أزرع الزهور.”
وقال يوسف:
“وأنا هساعد في تنظيف الطريق.”
حتى المعلمة شاركتهم الفكرة، وسمحت لهم بتنظيم يوم صغير لخدمة الحديقة.
وفي يوم الجمعة، اجتمع الأطفال ومعهم بعض الأهالي.
واحد يجمع الأوراق، وآخر يرتب الزهور، وثالث يطلي السور، بينما كانت ليان تضع رسومات صغيرة على لوحات خشبية لتزيين المكان.
أما المقعد القديم، فقد قرر الأطفال تنظيفه وإعادة طلائه، لكنهم تركوا العبارة القديمة كما هي.
مرت عدة أيام، وتحولت الحديقة تمامًا.
أصبحت الزهور تملأ جوانب الطريق، والسور نظيفًا، والأشجار مرتبة، والمقاعد جاهزة للجلوس.
وفي يوم المسابقة، عرضت ليان لوحتها أمام لجنة التحكيم.
لم تكن اللوحة مجرد صورة للحديقة، بل رسمت فيها الأطفال وهم يعملون معًا، وفي المنتصف ظهر المقعد الخشبي القديم.
وعندما سألها أحد الحكام:
“لماذا اخترتِ هذا المقعد بالذات؟”
ابتسمت ليان وقالت:
“لأنه علّمني درسًا مهمًا. كنت فاكرة إن النجاح معناه إني أعمل كل حاجة لوحدي، لكني فهمت إن الإنسان ممكن يحقق حاجات أكبر لما يتعاون مع غيره.”
صفق الحاضرون، وشعرت ليان بالسعادة.
وعندما عادت إلى البيت، سألتها جدتها:
“وإيه أهم حاجة اتعلمتيها؟”
فأجابتها ليان:
“إن إيدي لوحدها ممكن تعمل حاجة صغيرة، لكن إيدين كتير تقدر تبني حاجة كبيرة.”
ابتسمت جدتها وقالت:
“والأجمل إنك فهمتي الدرس قبل ما تكبري.”
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد ليان ترفض المساعدة عندما تحتاج إليها، ولم تعد تعتبر طلب المساعدة ضعفًا.
أما الحديقة، فأصبحت مكانًا يجتمع فيه أطفال القرية كل أسبوع، ليس فقط للعب، ولكن أيضًا للعناية بها.
وبقي المقعد الخشبي في مكانه تحت الشجرة، يحمل العبارة القديمة التي أصبحت بالنسبة لأهل القرية درسًا لا ينسونه:
“المكان الجميل لا يصنعه شخص واحد، بل تصنعه قلوب كثيرة تتعاون.”
العبرة من القصة
التعاون لا يجعل المهمة أسهل فقط، بل يجعلنا قادرين على تحقيق أشياء لم نكن نستطيع تحقيقها بمفردنا. وطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل دليل على الحكمة ومعرفة قيمة الآخرين.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق