بيت الرجوع للماضي
بيت الرجوع
بعد مرور ثلاث سنوات على رحيل والدي، وبينما كان أخي الأكبر يرتب مكتبه القديم، ذهبت إليه لأخبره أن العشاء قد أُعد. وما إن أحس بوجودي حتى أخفى ورقة ما على عجل وسط الأوراق. سألته: "ما تلك الورقة التي تخفيها؟" فأجاب بجمود: "لا شيء. ماذا تريد؟"قلت: "العشاء جاهز".وما إن غادر المكتب حتى انسللت بخفة إلى كومة الأوراق. قلبتها بعجلة ولم أجد شيئاً مثيراً، وكدت أنصرف لولا أن وقعت عيني بطرف خفي على كلمة "عقد". لا أدري ما الذي دفعني، لكني التقطته. كان العقد باسم أبي. والغريب أنه لم يكن لبيتنا الحالي، بل لبيت آخر في أطراف القرية.
سمعت أخي يناديني. وبينما كنا نتناول الطعام، سألت أمي وأخي: "هل نملك بيتاً آخر غير هذا؟"أجاب أخي بسرعة ارتبكت فيها يده: "لا".ازدادت شكوكي. فقلت: "إذن لماذا وجدت عقد بيت آخر في مكتب أبي رحمه الله؟"خيم الصمت. وبهت لون وجه أمي. قالت بصوت منخفض وحازم: "لقد تبرعنا به لعائلة فقيرة منذ زمن. لا تُشغل بالك".
لكنني لم أصدق.
انتظرت حتى ساد الهدوء وجنّ الليل. وحين تجاوزت عقارب الساعة منتصفها، قُدت سيارتي إلى ذلك البيت. كان الطريق وعراً، وقلبي يخفق بعنف... لا أدري أهو الأدرينالين أم شيء آخر.حين وصلت، رأيته قابعاً وحيداً وسط الحقول. جدرانه متصدعة، ونوافذه عيون فارغة. وحينها أيقنت أن أمي لم تكن صادقة، فلا بشر يستطيع العيش في هذا الخراب.
دفعت الباب فاستقبلني صرير طويل كأنين. وزحفت إلى أنفي رائحة العفن والرطوبة. على الجدران صور مشوهة، إلا صورة واحدة نجت. كانت صورة عائلية. جدي وجدتي وأبي... وأخي الأكبر حين كان طفلاً. لم أكن قد وُلدت بعد. وفي الوسط يقف صبي صغير. كان نسخة مني. نفس الشعر، ونفس العينين، ونفس الشامة تحت عيني اليسرى.
سرت في جسدي قشعريرة. من هذا؟
فجأة، سمعت وئيد خطى خلفي. التفت مذعوراً فلم أرَ سوى العتمة. لكن في نهاية الممر وقف شاب في مقتبل العشرينات، ورأسه مائل نحو الصورة.سألته بصوت مرتجف: "من أنت؟"لم يجب. فقط رفع يده وأشار إلى الصورة.اقتربت. قارنت بين الصبي في الصورة وبين هيئة الشاب. كانا واحداً.
ابتلع الظلام المكان فجأة، رغم أن البيت بلا كهرباء. وتسلل إلى أذني همس متجمد: "لقد تأخرت".
أطلقت صرخة وهربت. تعثرت على الدرج وجرحت ركبتي لكني لم أتوقف. قدت عائداً وأنا أرتجف.
في البيت، انهارت أمي. فسقطت منها الكوب وتحطم. وقالت: "كان لك أخ آخر يا بني... اسمه أدهم. مات في هذا البيت وعمره خمس سنوات. سقط من السطح. أبوك أقفل البيت ودفن السر معه".
حينها فهمت. ذلك الشاب لم يكن غريباً. كان أدهم. أو ما تبقى منه.ومنذ تلك الليلة، أراه في منامي كل ليلة. واقفاً بظهره أمام البيت الخاوي... ينتظرني أن أعود….