☠️صدى الساعات في قبو الغبار☠️

☠️صدى الساعات في قبو الغبار☠️

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

☠️"ساعة النسيان: عندما يسرق الزمن أرواحنا"☠️

لم تكن الساعة في منزلي مجرد آلة خشبية لحساب الوقت؛ كانت كياناً يتنفس ويراقب. ورثتها عن جدي الذي كان يعمل "ساعياً" في بلدة نائية منسية، رجلٌ لم يره أحد يبتسم قط، وكأن الزمن قد أكل ملامح وجهه تماماً. كانت الساعة بندولية ضخمة، مصنوعة من خشب البلوط الداكن المعتق، ترتفع في الردهة كشاهد قبرٍ منتصب ينتظر ضحيته. لكن الغرابة لم تكن في حجمها أو تفاصيلها المتقنة، بل في ذلك الصوت المريب الذي كانت تصدره؛ لم يكن "تيك-تاك" عادياً يشير إلى ثوانٍ تمر، بل كان يشبه صدى خطوات خفيفة، حذرة، تتهادى على أرضية خشبية مهترئة في ممر طويل لا ينتهي.

​في ليلة مقمرة، حيث كان السكون يطبق على أنفاس المكان ويجعل صمت المنزل مسموعاً، استيقظت على صوتٍ لم أعهده من قبل. لم يكن صوت دقات الساعة المعتاد، بل كان صوتاً يأتي من خلف الجدران، صوت حفيفٍ بطيء، وكأن أحداً يسحب كيساً من الجلد الرقيق على بلاط السيراميك البارد. نهضت من فراشي، مدفوعاً بفضولٍ قاتل ممزوج بخوفٍ غريزي ينهش أطرافي. اتجهت نحو الردهة، وكلما اقتربت من الساعة، كان الضوء الخافت المتسلل من النافذة يتراقص على زجاجها المزخرف بشكلٍ مريب.

​توقفتُ أمامها، وفجأة، تجمد البندول في الهواء وكأن الزمن توقف عن الجريان. ساد صمتٌ مطبق، صمتٌ ثقيل لدرجة أنني سمعت دقات قلبي ترتطم بضلوعي مثل طائرٍ مذعور. مددت يدي المرتجفة لألمس الخشب البارد، وعندما لامست أصابعي سطح الساعة، شعرت ببرودة قارسة تسري في عروقي وتجمد دمي. في تلك اللحظة، فتح باب الساعة ببطءٍ شديد وبصوت صرير حاد دون أن ألمسه. لم يكن هناك تروس أو آليات نحاسية؛ كان الفراغ الأسود الذي يمتد إلى ما لا نهاية، فراغٌ يبتلع الضوء والأمل.

​بدأت أسمع همساتٍ متداخلة تخرج من ذلك الجوف، آلاف الأصوات التي تنطق بأسماء لم أسمع بها من قبل، وتواريخ لا تنتمي لزمننا. أدركت حينها أن جدي لم يكن يصلح الساعات كما قيل لي، بل كان يعمل "جامعاً" للأوقات التي سُرقت من أصحابها لحظة وفاتهم. كان يجمع تلك الأجزاء من الأرواح ليحافظ على توازن الساعة، وكان قد اختارني لأكون الوارث القادم لهذه المهمة الملعونة دون إرادتي.

​حاولت التراجع، لكن قوتي خذلتني. شعرت بسلاسل غير مرئية تلتف حول معصمي، تجذبني ببطء نحو ذلك الجوف المظلم. كانت الساعة تطالب بضريبتها، ثمن السنوات التي عشتها. في لحظة يأس، أغمضت عينيّ بكل قوتي وتخيلت أنني أكسر حاجز الزمن، أنني خارج تلك اللحظة تماماً. شعرت بكياني يتلاشى بين التروس الوهمية، وكأنني ذرة غبار في كونٍ من الساعات المعلقة.

​عندما فتحت عينيّ ببطء، وجدت نفسي ملقىً على أرضية الردهة الباردة، والساعة تعمل بهدوئها المعتاد وتصدر صوت "تيك-تاك" الرتيب. نظرت إلى المرآة القديمة المعلقة بجانبها؛ لم يكن انعكاسي هو ما رأيته، بل رأيت وجه رجلٍ مسن، بملامح جدي المشوهة، ينظر إليّ بحزنٍ عميق ويشير إلى الساعة بيده المرتجفة. كان يخبرني بلا كلمات أن الدور قد جاء عليّ، وأنني أصبحت جزءاً من هذا السجن الأبدي.

​منذ ذلك اليوم، لم أعد أجرؤ على النظر إلى الساعة أو المرور بجانبها. أحياناً، في هدأة الليل، أسمع ذاك الحفيف مجدداً خلف الجدران. أعلم يقيناً أن الساعة تنتظر، وأن كل ثانية أعيشها الآن هي مجرد استعارة من ذلك القبو المظلم الذي يسكن داخل الخشب. إنها ليست مجرد قطعة أثاث، بل هي سجنٌ أبدي، وأنا الآن لست سوى سجينٍ ينتظر موعد إغلاق الباب خلفه للأبد.

image about ☠️صدى الساعات في قبو الغبار☠️
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
احمد ايمن تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-