همسات من الطابق الأخير
همسات من الطابق الأخير
في إحدى المدن الهادئة كان هناك مبنى قديم مهجور، يرفض السكان الاقتراب منه بعد غروب الشمس. كانوا يرددون أن الطابق الأخير يخفي سرًا لم يجرؤ أحد على كشفه. لم يكن أحد يصدق تلك الحكايات سوى كبار السن، أما الشباب فكانوا يعتبرونها مجرد خرافات لتخويف الأطفال.
كان "سامي"، وهو شاب يعشق المغامرات، يقرر أن يضع حدًا لهذه الأساطير. حمل مصباحًا يدويًا وكاميرا، ودخل المبنى في ليلة ممطرة. كانت الجدران متشققة، والأبواب تصدر صريرًا مرعبًا مع كل هبة ريح. ورغم شعوره بالقلق، واصل صعود السلالم حتى وصل إلى الطابق الأخير.
بمجرد أن فتح الباب، شعر بانخفاض شديد في درجة الحرارة، وكأن المكان لا ينتمي إلى هذا العالم. كان الصمت مخيفًا، لكن بين لحظة وأخرى كان يسمع همسات خافتة، لا يستطيع تمييز كلماتها. حاول إقناع نفسه بأنها مجرد أصوات الرياح، إلا أن الهمسات أصبحت أوضح، وكأن أحدًا يقف خلفه مباشرة.

استدار بسرعة، فلم يجد أحدًا. لكن ضوء المصباح بدأ يومض بشكل متقطع، ثم انطفأ تمامًا. لم يبقَ أمامه سوى ضوء شاشة هاتفه، الذي كشف عن ممر طويل لم يكن موجودًا قبل لحظات. شعر بأن شيئًا ما يدعوه للسير في ذلك الممر.
كل خطوة كان يخطوها كانت تزيد إحساسه بالخوف. وعلى الجدران ظهرت آثار أيدٍ سوداء، كأن أصحابها حاولوا الهرب دون جدوى. وفي نهاية الممر وجد بابًا خشبيًا صغيرًا. عندما دفعه ببطء، رأى غرفة فارغة إلا من مرآة ضخمة يغطيها الغبار.
اقترب من المرآة، ومسحها بيده. انعكس وجهه بوضوح، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا... انعكاسه لم يكن يقلد حركاته. بينما كان واقفًا في مكانه، رأى صورته داخل المرآة تبتسم ابتسامة باردة لم يرسمها على وجهه.
تراجع مذعورًا، لكن انعكاسه بدأ يقترب من الزجاج من الداخل، حتى وضع كفه عليه. في اللحظة نفسها شعر سامي بيد باردة تمسك كتفه من الخلف. استدار بسرعة، فلم يجد أحدًا، وعندما عاد بنظره إلى المرآة، اختفى انعكاسه تمامًا.
حاول الهرب، لكنه اكتشف أن الباب الذي دخل منه لم يعد موجودًا. كانت الهمسات تتحول إلى ضحكات مكتومة، والممر يزداد طولًا كلما ركض. ثم انطفأ هاتفه فجأة، وغرق المكان في ظلام دامس.
في صباح اليوم التالي، عثر رجال الشرطة على كاميرته عند مدخل المبنى، لكنها كانت تعمل بشكل طبيعي. وعندما شاهدوا التسجيل، ظهر سامي وهو يصعد إلى الطابق الأخير، ثم تتشوش الصورة لدقائق. وبعدها ظهر شخص يقف أمام الكاميرا ويبتسم.
لم يكن ذلك الشخص سامي... لكنه كان يحمل ملامحه تمامًا.
أُغلق المبنى مرة أخرى، ووُضعت عليه لافتة تمنع الدخول. ومع ذلك، يقول بعض المارة إنهم في الليالي الممطرة يرون شابًا يقف في نافذة الطابق الأخير، يلوح بيده وكأنه يطلب المساعدة. أما من يجرؤ على النظر إليه طويلًا، فيسمع همسة واحدة تتكرر داخل أذنه:
"تعال... لقد حان دورك."
وهكذا بقيت القصة تتناقلها الأجيال، لا أحد يعرف حقيقتها، لكن الجميع يتفق على أمر واحد: بعض الأبواب، إذا فُتحت مرة، لا تُغلق أبدًا.