الجزء الرابع عشر: رسالة الاعتذار

الليل نزل بدري… والهدوء اللي في الشارع كان عكس تمامًا الدوشة اللي في قلب كل واحد فيهم.
ليلى كانت قاعدة على سريرها… ماسكة المخدة في حضنها، وعينيها لسه مجهدة من كتر العياط. صوت الموبايل كان بيهز جنبها… بس مش قادرة تفتحه.
خايفة تشوف كلام يوجعها أكتر… وخايفة تشوف صمت يعذبها أكتر.
في نفس الوقت… عمر كان على مكتبه، قدامه ورقة فاضية وكوب شاي برد من كتر ما انساه.
كان بيفكر… يكتب ولا يبعت ولا يسكت؟
الكلام بقى صعب… بس السكات أصعب.
وفي الآخر… بدأ يكتب:
«أنا آسف… آسف على كل لحظة حسستك فيها إنك لوحدك.
آسف إني معرفتش أحميكي من الكلام اللي مالوش معنى.
ولو الدنيا كلها ضدّك… أنا معاكي.»
قرأ الكلام… ومسحه.
كتب تاني… ومسح.
كتب للمرة التالتة… ووقف.
وبعدين أخيرًا… قرر يبعت رسالة صوتية بدل الكلام.
سجّل وهو صوته متلخبط:
«ليلى… أنا… أنا يمكن مابعرفش أقول الكلام المظبوط. بس لو في حد غلط… يبقى أنا. ولو في حد لازم يتقذي… يبقى أنا مش إنتي. أنا آسف… وعايز أكلمك. مش هضغط عليكي… بس لما تبقي جاهزة، قوليلي.»
وبعت الرسالة.
وجلس مستني… كأن الوقت واقف.
في بيت ملك… الدنيا كانت مختلفة.
ملك قاعدة في أوضتها، النور خافت، ووشها باين عليه إنها سهرانة طول الليل.
مش غضب بس… مزيج بين غيرة… وانكسار… وانتقام.
بصّت في موبايلها، لقت الجروب الجديد اللي عملته البنات… وكمية كلام مرمي عن ليلى.
ضحكت ضحكة قصيرة… بس ماكانتش ضحكة فرح.
كانت ضحكة حد تاه من نفسه.
الباب خبط.
أخوها “حازم” دخل.
«ملك، انتي مالك؟ وشك مش مريح.»
«عادي… مفيش.»
«هو ليلى وعمر؟ شفتي الفيديو اللي الناس بتتكلم عليه؟»
ملك اتوترت: «ومالك أنت؟»
«مالك إنتي اللي متغيرة. أنا أخوكي… شايف الغل في عينيكي.»
سكتت.
ولأول مرة… عينيها لمعت بدمعة.
قالت بخفوت:
«هي خدت اللي كان ممكن يكون ليا يا حازم…»
«عمر؟»
«أيوه… وكرهاني فوق ده.»
«أنتي بتحبيه؟»
«…مش عارفة. بس عارفة إني موجوعة.»
حازم قرب منها وقال:
«وجعك مش ليه علاقة بيهم… وجعك من جواكي. ولو كملتي كده… هتخسري نفسك.»
ملك اتنهدت… بس ما ردتش.
في المدرسة تاني يوم…
الجو هادي بس مليان شحن.
الطلبة واخدة موقف المشاهد… كل حد مستني يشوف إيه اللي هيحصل.
ليلى دخلت المدرسة رأسها لتحت، وبتحاول تتجنب العيون.
ياسين ظهر جنبها فجأة:
«لو احتجتي أي حاجة… قوليلي.»
«شكرًا… بس أنا مش محتاجة حد يتدخل.»
«مش بتدخل… بس شايف إنك مش بخير.»
ليلى هزّت راسها ومشيت.
وهي ماشية… لقت ورقة على الأرض.
اترددت… بس في الآخر فتحتها.
وكان مكتوب فيها:
«كل ما تبعدي… بتوجعيني أكتر.»
الخط كان خط عمر.
قلبها وقع.
مش لأن الكلام رومانسي…
لكن لأن التعب اللي فيه كان حقيقي.
عمر كان واقف مع كريم… بيحاول يبين إنه قوي، بس عينيه كانت بتدوّر على ليلى.
كريم قال له:
«بعت لها الرسالة؟»
«أه… وماسمعتش.»
«اصبر عليها… هي في وضع مش سهل.»
«أنا صابر… بس الخوف بياكل فيّا.»
فجأة… ليلى ظهرت قدامه.
وشها هادي، بس واضح إنها لسه متأثرة.
قالت بصوت منخفض:
«عمر… نقدر نتكلم؟»
قلبه وقع.
«أه طبعًا… تعالي.»
راحوا مكان فاضي جنب الملعب.
ليلى بصّت للأرض وقالت:
«سمعت الرسالة.»
«وأني؟»
«حسيت إنك خايف… بس مش عارفة إحنا رايحين على فين.»
عمر قرب خطوة.
«رايحين على الحقيقة… مش الهروب.»
«طيب… والناس؟»
«ولا يهموني.»
ليلى قالت:
«بس هما بيأذوني… مش بيأذوك إنت.»
«وعلشان كده… أنا بكتب اعتذار، مش بس ليكي… للعلاقة دي.»
طلّع ورقة من جيبه.
كان مكتوب فيها:
«لو غلطت… سامحيني.
لو قصرت… فاكريني.
ولو بعدتي… هفضل موجود.»
ليلى دمعت…
بس دمعة هدوء مش وجع.
قالت بصوت متكسر:
«أنا بس… تعبت.»
عمر قرب منها أكتر وقال:
«ما تتعبيش لوحدك… خلي تعبك على اتنين.»
وهنا… حصلت حاجة غريبة.
سامر ظهر… وراه بنت جديدة ملامحها قوية، شعرها قصير، وشخصيتها واضحة من أول نظرة.
قال:
«عمر… ليلى… عايزكم تشوفوا حاجة.»
فتح الموبايل…
وكان فيه تسجيل صوتي… صوت ملك… بتحرض البنات:
«عايزة ليلى تبقى أضحوكة.
عايزة كل المدرسة تتكلم عليها.
ماحدش يرحمها.»
ليلى اتصدمت.
عمر وشه اتقلب غضب.
سامر قال:
«اللي بعتلي التسجيل… هي دي.»
وأشار للبنت اللي جنبه.
قالت بثقة:
«أنا ريم… وده أول يوم ليا في المدرسة.
بس الظلم ما يسكتش عليه.»
ليلى اتخضّت.
وعمر قال:
«التسجيل ده… هيغيّر كل حاجة.»
ليلى… لأول مرة من زمان… حسّت إنها مش لوحدها.
وفي آخر اليوم…
عمر كتب في الكشكول:
«الاعتذار مش ضعف…
الاعتذار بداية جديدة.
بس لما الحقيقة تظهر…
الحرب بتبتدي بشكل تاني.»
وكتب تحته:
«ملك… لعبتي بالنار.
والليلة دي… النار هتولع.»
نهاية الجزء الرابع عشر: رسالة الاعتذار