ضياع بين قلبين
ضياع بين قلبين

كانت المدينة تمشي ببطء، كأنها تعرف أن كل من يعيش فيها يحمل ثِقلًا لا يُرى. الشوارع مزدحمة، لكن القلوب أكثر ازدحامًا، وكل وجه يخفي قصة لم تُحكَ بعد. في هذا المكان بدأ كل شيء… دون بداية واضحة، ودون نهاية يمكن الوثوق بها.
سارة لم تكن مختلفة عن غيرها في الشكل، لكنها كانت مختلفة في الإحساس. تشعر بكل شيء بزيادة: تحزن بعمق، تحب بصدق، وتضيع بسهولة. كانت تؤمن أن الحب ملجأ، وأن الإنسان حين يجد من يفهمه لن يحتاج أن يقسو. لم تكن تعلم أن بعض القلوب لا تعرف الراحة إلا في القسوة.
آدم كان أحد تلك القلوب. رجل يحمل ماضيًا ثقيلًا، خسارات متراكمة، وأخطاء لم يُغفر له فيها أحد، حتى نفسه. تعلّم منذ وقت مبكر أن القرب خطر، وأن من تحبه يمكنه أن يدمّرك بسهولة. لذلك عاش نصف حيّ، يضحك قليلًا، ويغضب كثيرًا، ويغلق الأبواب قبل أن يطرقها أحد.
التقيا دون ترتيب. نظرة عابرة، حديث بسيط، ثم صمت طويل لم يكن فارغًا. كان بينهما شيء يشبه الاعتراف الصامت، كأن كل واحد رأى في الآخر مرآة لما يخشاه. سارة رأت في آدم حزنًا يحتاج احتواء، وآدم رأى في سارة أمانًا لا يثق به.
تسلل الحب بينهما ببطء، دون وعود كبيرة. أيام عادية صارت أخف، وضحكات قصيرة تركت أثرًا طويلًا. سارة أحبّت كما لو أنها لا تعرف الخسارة، وآدم أحب كما لو أنه يستعد لها. كان يقترب خطوة ويتراجع اثنتين، بينما كانت هي تفتح قلبها أكثر كل مرة.
لم يكونا وحدهما. حولهما أشخاص كُثر، لكلٍ دوره الخفي. مروان، صديق آدم، الذي يرى الحب ضعفًا ويؤمن أن القوة في السيطرة. ندى، صديقة سارة، التي خرجت من تجربة موجعة جعلتها تشك في كل مشاعر جميلة. كل كلمة قالوها، كل نصيحة، كانت تضيف حجرًا صغيرًا في طريق العلاقة.
بدأت الشكوك تتسلل. تأخر في الرد، نظرة شاردة، صمت في وقت كانت تحتاج فيه الكلام. سارة شعرت أن هناك جدارًا يكبر بينهما، وآدم شعر أن الحب يطالبه بأشياء لا يعرف كيف يعطيها. بدل أن يتكلما، اختارا الصمت، والصمت حين يطول يتحوّل إلى كره.
قال آدم كلمات لم يكن يقصدها، لكنه كان يقصد الهروب. قالت سارة كلمات كانت تقصدها، لكنها لم تكن مستعدة لنتيجتها. في تلك اللحظة انكسر شيء لا يُصلَح بسهولة. لم يكن الانفصال صاخبًا، بل هادئًا بشكل مؤلم، كأن كل واحد استسلم لفكرته عن الآخر.
بعدها بدأ الضياع الحقيقي. سارة فقدت ثقتها في إحساسها، صارت تسأل نفسها إن كانت تحب خطأ، أو تشعر أكثر مما يجب. حاولت أن تبدأ من جديد، اقترب منها أشخاص، لكن قلبها كان حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه. آدم غرق في العمل، في النجاح، في أي شيء يبعده عن التفكير. بدا قويًا، لكنه كان فارغًا.
تحوّل الحب في داخلهما إلى كره صامت. كره لأنفسهما، ولللحظة التي التقيا فيها، وللشجاعة التي لم يملكاها في الوقت المناسب. ومع الوقت، صار الكره عادة، والضياع هو الطبيعي.
مرت السنوات، وغيّر الزمن ملامحهما، لكنه لم يمسّ ذلك الجزء العالق. التقيا مرة أخرى صدفة، في مكان عادي، لكن اللقاء لم يكن عاديًا. لم يتكلما كثيرًا. نظرة واحدة أعادت كل شيء: الحب، الكره، والضياع.
هذه المرة لم يهرب آدم، ولم تتمسك سارة. كان كل واحد منهما قد فهم درسًا متأخرًا: أن الحب لا ينقذ من لا يريد النجاة، وأن الكره ليس قوة، بل خوف متخفّي. تحدثا بصدق لأول مرة، دون اتهام، دون دفاع. لم يكن الحديث شفاءً كاملًا، لكنه كان إغلاقًا لجراح ظلت مفتوحة طويلًا.
لم يعودا معًا، ولم يتحولا لأعداء. اختارا أن يكملا كلٌ طريقه وهو أخفّ قليلًا. تعلّما أن الضياع ليس دائمًا أن تفقد الطريق، أحيانًا هو أن تمشي فيه وأنت لست نفسك.
وفي مدينة ما زالت تمتلئ بالقصص، بقيت حكايتهما بلا عنوان واضح، مثل الحب تمامًا… يبدأ دون استئذان، وقد ينتهي دون وداع، لكنه يترك أثرًا لا يزول.
كانت المدينة تمشي ببطء، كأنها تعرف أن كل من يعيش فيها يحمل ثِقلًا لا يُرى. الشوارع مزدحمة، لكن القلوب أكثر ازدحامًا، وكل وجه يخفي قصة لم تُحكَ بعد. في هذا المكان بدأ كل شيء… دون بداية واضحة، ودون نهاية يمكن الوثوق بها.
سارة لم تكن مختلفة عن غيرها في الشكل، لكنها كانت مختلفة في الإحساس. تشعر بكل شيء بزيادة: تحزن بعمق، تحب بصدق، وتضيع بسهولة. كانت تؤمن أن الحب ملجأ، وأن الإنسان حين يجد من يفهمه لن يحتاج أن يقسو. لم تكن تعلم أن بعض القلوب لا تعرف الراحة إلا في القسوة.
آدم كان أحد تلك القلوب. رجل يحمل ماضيًا ثقيلًا، خسارات متراكمة، وأخطاء لم يُغفر له فيها أحد، حتى نفسه. تعلّم منذ وقت مبكر أن القرب خطر، وأن من تحبه يمكنه أن يدمّرك بسهولة. لذلك عاش نصف حيّ، يضحك قليلًا، ويغضب كثيرًا، ويغلق الأبواب قبل أن يطرقها أحد.
التقيا دون ترتيب. نظرة عابرة، حديث بسيط، ثم صمت طويل لم يكن فارغًا. كان بينهما شيء يشبه الاعتراف الصامت، كأن كل واحد رأى في الآخر مرآة لما يخشاه. سارة رأت في آدم حزنًا يحتاج احتواء، وآدم رأى في سارة أمانًا لا يثق به.
تسلل الحب بينهما ببطء، دون وعود كبيرة. أيام عادية صارت أخف، وضحكات قصيرة تركت أثرًا طويلًا. سارة أحبّت كما لو أنها لا تعرف الخسارة، وآدم أحب كما لو أنه يستعد لها. كان يقترب خطوة ويتراجع اثنتين، بينما كانت هي تفتح قلبها أكثر كل مرة.
لم يكونا وحدهما. حولهما أشخاص كُثر، لكلٍ دوره الخفي. مروان، صديق آدم، الذي يرى الحب ضعفًا ويؤمن أن القوة في السيطرة. ندى، صديقة سارة، التي خرجت من تجربة موجعة جعلتها تشك في كل مشاعر جميلة. كل كلمة قالوها، كل نصيحة، كانت تضيف حجرًا صغيرًا في طريق العلاقة.
بدأت الشكوك تتسلل. تأخر في الرد، نظرة شاردة، صمت في وقت كانت تحتاج فيه الكلام. سارة شعرت أن هناك جدارًا يكبر بينهما، وآدم شعر أن الحب يطالبه بأشياء لا يعرف كيف يعطيها. بدل أن يتكلما، اختارا الصمت، والصمت حين يطول يتحوّل إلى كره.
قال آدم كلمات لم يكن يقصدها، لكنه كان يقصد الهروب. قالت سارة كلمات كانت تقصدها، لكنها لم تكن مستعدة لنتيجتها. في تلك اللحظة انكسر شيء لا يُصلَح بسهولة. لم يكن الانفصال صاخبًا، بل هادئًا بشكل مؤلم، كأن كل واحد استسلم لفكرته عن الآخر.
بعدها بدأ الضياع الحقيقي. سارة فقدت ثقتها في إحساسها، صارت تسأل نفسها إن كانت تحب خطأ، أو تشعر أكثر مما يجب. حاولت أن تبدأ من جديد، اقترب منها أشخاص، لكن قلبها كان حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه. آدم غرق في العمل، في النجاح، في أي شيء يبعده عن التفكير. بدا قويًا، لكنه كان فارغًا.
تحوّل الحب في داخلهما إلى كره صامت. كره لأنفسهما، ولللحظة التي التقيا فيها، وللشجاعة التي لم يملكاها في الوقت المناسب. ومع الوقت، صار الكره عادة، والضياع هو الطبيعي.
مرت السنوات، وغيّر الزمن ملامحهما، لكنه لم يمسّ ذلك الجزء العالق. التقيا مرة أخرى صدفة، في مكان عادي، لكن اللقاء لم يكن عاديًا. لم يتكلما كثيرًا. نظرة واحدة أعادت كل شيء: الحب، الكره، والضياع.
هذه المرة لم يهرب آدم، ولم تتمسك سارة. كان كل واحد منهما قد فهم درسًا متأخرًا: أن الحب لا ينقذ من لا يريد النجاة، وأن الكره ليس قوة، بل خوف متخفّي. تحدثا بصدق لأول مرة، دون اتهام، دون دفاع. لم يكن الحديث شفاءً كاملًا، لكنه كان إغلاقًا لجراح ظلت مفتوحة طويلًا.
لم يعودا معًا، ولم يتحولا لأعداء. اختارا أن يكملا كلٌ طريقه وهو أخفّ قليلًا. تعلّما أن الضياع ليس دائمًا أن تفقد الطريق، أحيانًا هو أن تمشي فيه وأنت لست نفسك.
وفي مدينة ما زالت تمتلئ بالقصص، بقيت حكايتهما بلا عنوان واضح، مثل الحب تمامًا… يبدأ دون استئذان، وقد ينتهي دون وداع، لكنه يترك أثرًا لا يزول.
لكن الحكاية لم تتوقف عند هذا الحد، لأن بعض القصص لا تنتهي حين نفترق، بل تبدأ حين نحاول العيش بعدها. سارة ظنت أن اللقاء الأخير كان كافيًا لتغلق الباب، لكنها اكتشفت أن الأبواب التي تُغلق بالعقل تظل مفتوحة في القلب. عادت إلى بيتها تلك الليلة وهي تشعر بثقل غريب، كأنها استعادت نفسها وفقدتها في اللحظة ذاتها.
بدأت أيامها تتحرك ببطء. تستيقظ، تذهب إلى عملها، تضحك حين يجب أن تضحك، وتصمت حين لا أحد يلاحظ. كانت ناجحة من الخارج، لكن داخلها فراغ لا يمتلئ. حاولت أن تقنع نفسها أن ما عاشته كان مجرد مرحلة، لكن بعض المراحل تترك ندوبًا لا تُرى.
أما آدم، فخرج من اللقاء وهو يشعر أن شيئًا سُحب من صدره. لأول مرة لم يهرب، ومع ذلك لم يشعر بالراحة. أدرك متأخرًا أن هروبه القديم لم يكن من سارة، بل من نفسه. كل مرة كان يبتعد فيها، كان يظن أنه ينجو، لكنه في الحقيقة كان يضيع أكثر.
حاول أن يعود إلى حياته كما كانت، لكن الحياة لا تعود كما هي بعد الفهم. صار يرى ماضيه بوضوح مؤلم: الخسارات التي لم يعترف بها، الغضب الذي اتخذه درعًا، والكلمات التي لم يقلها في الوقت المناسب. أدرك أن الكره الذي حمله طويلًا لم يكن موجّهًا لأحد بعينه، بل كان صرخة خوف لم يسمعها أحد.
تقاطع طريقهما مرة أخرى، ليس لقاءً مباشرًا هذه المرة، بل عبر الآخرين. مروان أخبر آدم أن سارة تفكر في السفر، بداية جديدة، مدينة لا تعرف فيها أحدًا. الخبر ضربه بقوة لم يتوقعها. لم يكن يريد أن يمنعها، لكنه خاف أن تختفي من حياته نهائيًا.
في الجهة الأخرى، كانت ندى تحاول إقناع سارة بأن الرحيل حل. قالت لها إن البقاء في المكان نفسه يعيد فتح الجروح. سارة كانت تعلم أن ندى محقة، لكنها كانت تشعر أن الهروب لن يمنحها السلام الذي تبحث عنه.
بين الرغبة في الرحيل والخوف من الندم، عاشت سارة أيامًا متوترة. كتبت كثيرًا، عن الحب، عن الكره، عن الإنسان حين يخون نفسه باسم الحماية. أدركت أنها لم تكن ضعيفة لأنها أحبت، بل لأنها صدّقت أن الصمت يحمي المشاعر.
آدم، من جانبه، قرر أن يفعل شيئًا لم يفعله من قبل: المواجهة. لم يذهب إلى سارة ليطلب عودة، ولم يذهب ليعتذر فقط، بل ذهب ليقول الحقيقة كاملة، دون تجميل. وقف أمام بابها طويلًا قبل أن يطرق، وكاد أن يعود أدراجه، لكنه هذه المرة لم يسمح للخوف أن يقوده.
حين فتح الباب، لم تتفاجأ. كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة دون أن تعترف. جلسا متقابلين، بلا توتر ظاهر، لكن القلق كان يملأ المكان. تحدث آدم عن ماضيه، عن الخسارة التي جعلته يشك في كل شيء جميل، عن الكره الذي تعلّم أن يسميه قوة. تحدثت سارة عن شعورها بأنها كانت تمشي نحوه وحدها، وعن الألم الذي سببه الصمت أكثر من أي كلمة قاسية.
لم يكن الحديث سهلاً، ولم يكن مريحًا. بكى آدم للمرة الأولى منذ سنوات، وبكت سارة ليس حزنًا، بل ارتياحًا. لكن الحقيقة التي ظهرت كانت واضحة: الفهم جاء متأخرًا.
لم يتعاهدا على شيء. لم يقولا إنهما سيحاولان من جديد. تركا الأمر مفتوحًا، ليس هروبًا، بل احترامًا لما تغيّر بداخلهما. سارة قررت أن تسافر، لا لتنسى، بل لتختار نفسها. وآدم قرر أن يبقى، هذه المرة لا ليهرب، بل ليصلح ما يستطيع إصلاحه في حياته.
مرّ الوقت. تغيّرت المدن، والوجوه، والتفاصيل الصغيرة. سارة صارت أقوى، أقل خوفًا من الفقد، وأكثر وعيًا بذاتها. آدم تعلّم أن القسوة لا تحمي، وأن الاعتراف لا ينتقص من الرجولة.
وفي يوم عادي، بلا مناسبة، خطرت لكلٍ منهما فكرة واحدة: لم أعد ضائعًا كما كنت. لم يكن ذلك بسبب الحب، ولا بسبب الكره، بل لأنهما أخيرًا تصالحا مع نفسيهما.
الحكاية لم تنتهِ بنهاية واضحة، لأن الحياة لا تفعل ذلك. لكنها انتهت بفهم بسيط وعميق: الحب قد يجرح، والكره قد يضلل، لكن الضياع الحقيقي هو أن تعيش دون أن تكون صادقًا مع قلبك.
وهكذا، في مدينة لا تزال تمتلئ بالوجوه المتعبة، بقيت قصتهما شاهدة على أن بعض اللقاءات لا تأتي لتبقى، بل لتغيّرنا إلى الأبد.