أرواحٌ خلف المحيط: رسائل مي وجبران

أرواحٌ خلف المحيط: رسائل مي وجبران

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about أرواحٌ خلف المحيط: رسائل مي وجبرانالعنوان: حبٌّ وُلد بين السطور.. مي وجبران

​بدأت الحكاية في أوائل القرن العشرين، وتحديداً في عام 1912، عندما كتبت الأديبة النابغة مي زيادة (الفلسطينية اللبنانية المقيمة في القاهرة) رسالة إلى الأديب والفنان جبران خليل جبران (المقيم في نيويورك)، تبدي فيها رأيها في قصته "الأجنحة المتكسرة". كانت رسالة أدبية جافة في ظاهرها، لكنها حملت في طياتها تقديراً فكرياً عميقاً.

​عشرون عاماً من الرسائل

​استمرت هذه المراسلات لمدة 19 عاماً. لم تكن مجرد رسائل إعجاب، بل كانت صلاة فكرية وروحية. كان جبران يرى في مي "المرأة الحلم" التي تفهم روحه دون أن تراه، وكانت مي ترى في جبران "المنفى والملاذ".

​تطورت العلاقة من نقاشات أدبية إلى اعترافات وجدانية رقيقة. وفي إحدى رسائله الشهيرة، كتب جبران لمي:

​"أنتِ تعيشين فيّ، وأنا أعيش فيكِ، وأنتِ تعلمين ذلك، وأنا أعلم ذلك".

​أما مي، التي كان صالونها الأدبي في القاهرة يغصّ بكبار الشعراء والكتاب الذين تمنوا نظرة منها (مثل العقاد والرافعي)، فقد وهبت قلبها بالكامل للرجل القابع خلف المحيط الأطلسي.

​المأساة والوفاء الأبدي

​رغم المحاولات المتكررة للترتيب للقاء، إلا أن ظروف جبران الصحية والمادية، ثم اندلاع الحرب، منعت ذلك دائماً. في عام 1931، صُدمت مي بخبر وفاة جبران في نيويورك. كان هذا الخبر هو الانكسار الحقيقي في حياتها؛ فقد فقدت "تأمّلها الأجمل" وسندها الروحي.

​دخلت مي في حالة من الحزن العميق أدت بها في النهاية إلى "العصفورية" (مستشفى الأمراض النفسية في لبنان) بعد أن اتهمها أقاربها بالجنون طمعاً في ميراثها، لكن الحقيقة أنها كانت تعاني من "يتم عاطفي" بعد رحيل جبران.

​لماذا هي قصة مثيرة للاهتمام؟

​تكمن إثارة هذه القصة في أنها تحدت قوانين المادة؛ حيث أثبتت أن:

​الحب الفكري قد يكون أقوى وأبقى من اللقاء الجسدي.

​اللغة يمكن أن تكون وسيطاً كافياً لبناء علاقة صلبة استمرت عقدين من الزمان.

​الإخلاص لغائب هو أسمى أنواع الوفاء.

​عندما توفيت مي زيادة في القاهرة عام 1941، وُجدت بين أوراقها الخاصة رزمات الرسائل التي أرسلها جبران، كانت تحتفظ بها كأثمن ما تملك في هذا العالم، لترحل وهي تحمل معه سرّ حبهما الذي لم يكتمل على الأرض، لكنه خُلد في تاريخ الأدب العربي.بعد رحيل جبران في نيويورك عام 1931، لم تكن نهاية القصة مجرد حزن عابر، بل تحولت إلى تراجيديا أدبية تجسد معنى الوفاء المستحيل. إليك تكملة أحداثها:

​عزلة “صاحبة الصالون”

​بعد أن كانت مي زيادة "مليكة الشرق" التي يتسابق الأدباء لرضاها، انطفت شعلتها تماماً. اعتزلت الناس، وأغلقت صالونها الأدبي الشهير في القاهرة، وبدأت تعيش مع ذكرياتها ورسائل جبران. كتبت في مذكراتها أنها تشعر وكأن نصف روحها قد انتُزع منها، وأن الكلمات التي كانت تتبادلها معه هي "الأوكسجين" الذي كان يبقيها على قيد الحياة.

​محنة “العصفورية”

​استغل بعض أقاربها في لبنان ضعفها النفسي وحزنها الشديد، فادّعوا أنها فقدت عقلها ليتمكنوا من الحجر على أموالها وممتلكاتها. نُقلت مي قسراً إلى مستشفى الأمراض العقلية (المعروف بالعصفورية) في لبنان. هناك، عاشت أقسى أيام حياتها، لكن ما أنقذها هو "قوة الكلمة"؛ فبمجرد أن علم المثقفون والصحفيون بمحنتها، قامت الدنيا ولم تقعد حتى خرجت من المشفى واستعادت كرامتها.

​الرحيل الهادئ

​عادت مي إلى القاهرة، لكنها لم تعد هي نفسها "مي" المتوهجة. عاشت سنواتها الأخيرة في وحدة اختيارية، تقرأ رسائل جبران وتناجي طيفه. وفي عام 1941، لُبيت رغبتها في اللقاء الأبدي، حيث توفيت وحيدة في مستشفى المعادي بالقاهرة.

​أجمل ما تركه هذا الحب

​لم يترك لنا مي وجبران أطفالاً أو بيتاً، بل تركوا لنا "رسائل الشعلة"؛ وهو كتاب يضم مراسلاتهما التي تُدرس اليوم كأرقى نماذج الأدب الرومانسي.

​الخلاصة: قصة مي وجبران أثبتت أن الحب ليس بالضرورة "جسداً" يلمس أو "وجهاً" يُرى، بل هو "تعانق أرواح" قد يمتد لعشرين عاماً عبر المحيطات، ويظل حياً حتى بعد رحيل أصحابه بمئة عام

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mahmoud Mahmmad تقييم 5 من 5.
المقالات

8

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.