"*البيت رقم صفر* "
عنوان القصة: “البيت رقم صفر”

الشارع كان ضيق بشكل غريب، كأن المباني قافلة على نفسها وناسيّة تسيب مساحة للنور.
لمبات صفراء ضعيفة معلّقة على أعمدة ميلة، والهواء مليان ريحة تراب ورطوبة.
في آخر الشارع، كان في بيت…
من غير رقم.
لا لوحة، لا جرس، لا حتى باب واضح.
بس كل أهل المنطقة عارفينه، وبيسمّوه همسًا: البيت رقم صفر.
آدم كان لسه منتقل جديد. شاب في أوائل العشرينات، هادي، بيحب العزلة، وبيشتغل مونتير من البيت.
أول يوم له في الشقة، صاحب العمارة قاله وهو بيمدله المفاتيح:
– بس خلي بالك… بلاش تقرب من آخر الشارع.
آدم ضحك وقال:
– ليه؟ في كنز مدفون؟
الراجل ما ضحكش.
في أول ليلة، آدم فتح الشباك.
الهواء كان تقيل، وساكت زيادة عن اللزوم.
بص ناحية آخر الشارع… وشاف البيت.
كان شكله متغير عن باقي البيوت.
حوايطه لونها مش ثابت، كأنها بتتحرك حسب الضوء.
والغريب أكتر… إن في شباك منوّر في الدور التاني.
مع إن مفيش حد، حسب كلام الناس، عايش هناك.
في الساعة 3:03 الفجر، سمع خبط.
مش على الباب…
على الحيطة اللي ورا سريره.
دق… دق… دق.
ثابت وبطيء.
آدم حاول يتجاهل الصوت.
بس الخبط وقف فجأة، واتبدل بهمسة قريبة من ودنه:
– إنت شُفتنا؟
قعد مفزوع، النور مقطوع، والمكان ضلمة إلا من نور الشارع.
ولا كأن حاجة حصلت.
تاني يوم، سأل الجيران عن البيت.
ست كبيرة قالت له وهي بتلم الطرحة:
– ده بيت بيظهر بس للي شايف… واللي يشوفه، ما بينساش.
في الليلة التالتة، الفضول غلبه.
لبس ونزل الشارع.
كل خطوة كان صداها عالي، والهواء أبرد كل ما يقرب.
وقف قدام البيت.
من قريب، شكله أقدم، متآكل، وفيه شقوق كأنها عروق.
الباب اتفتح لوحده.
الدّاخل كان أوسع من برّه.
طرقة طويلة، حيطانها مليانة مرايات.
بس المرايات ما كانتش بتعكس شكله…
كانت بتعكسه وهو تعبان، وهو بيعيّط، وهو صغير.
آدم حس بدوخة.
في آخر الطرقة، أوضة واحدة، وفي نصها كرسي.
قعد عليه غصب عنه.
صوت طلع من كل حتة:
– إحنا البيت رقم صفر… هنا بنحفظ اللي الناس نسيت تواجهه.
الحيطة وراه اتفتحت، وظهر مشهد.
هو… من خمس سنين.
واقف في المستشفى، سايب أخوه الصغير لوحده، ومشي.
وفي المشهد التاني… أخوه بيموت.
آدم صرخ:
– ده فات!
الصوت رد بهدوء:
– اللي فات لسه عايش جواك.
البيت بدأ يهتز.
المرايات اتشققت.
والصوت قال:
– قدامك اختيار… تعترف، أو تفضل تهرب.
آدم غمض عينه واعترف.
بضعفه.
بخوفه.
بذنبه.
الاهتزاز وقف.
البيت سكت.
لما فتح عينه، كان واقف في الشارع.
البيت اختفى.
آخر الشارع بقى مسدود بحيطة عادية.
من اليوم ده، آدم بقى بينام بهدوء.
بس أحيانًا…
في مراية الحمام،
يشوف رقم صغير مكتوب على البخار:
0
ويفتكر إن في أماكن
مش بتتساب…
غير لما تواجهها.