مجموعة الضحايا: الشعار الأخير.
لعنة الشعار الأخير
كان "عمر" شاباً مهووساً بعالم المحركات، لكن هوسه لم يكن بالسرعة أو الميكانيكا، بل بتلك القطع المعدنية الصغيرة التي تتوسط مقدمة السيارات: الشعارات. قضى سنوات عمره يجمع شعارات الماركات العالمية، من النادر إلى المنقرض، حتى امتلأت جدران غرفته بمئات العلامات التجارية التي تحكي تاريخ صناعة السيارات. لكن قلبه كان لا يزال ينبض لقطعة واحدة مفقودة، "شعار العين المكسورة"، وهي أسطورة يتداولها كبار الهواة عن سيارة لم تُنتج منها سوى نسخة واحدة في ظروف غامضة.
في ليلة شتوية موحشة، بينما كان يتصفح منتديات بيع القطع القديمة، تلقى رسالة من حساب مجهول يحمل اسم "الصدأ". كانت الرسالة تحتوي على إحداثيات لموقع في أطراف المدينة، وجملة واحدة: "القطعة التي تنقص مجموعتك بانتظارك، لا تأتِ ومعك أحد". لم يفكر عمر مرتين، رغم شعوره بوخزة قلق في صدره، استقل سيارته وانطلق عبر طرق ريفية لم يطأها من قبل، حتى وصل إلى مستودع حديدي متهالك تفوح منه رائحة الزيت المحروق والقديم.
دفع عمر الباب الذي أصدر صريراً مزعجاً مزق سكون الليل. في منتصف المكان، وتحت ضوء خافت يتذبذب، كانت تقبع سيارة سوداء ضخمة، طرازها يبدو مزيجاً بين سيارات الأربعينيات وشيء آخر غير بشري. كانت مغطاة بطبقة كثيفة من الغبار، لكن في مقدمتها، كان هناك شيء يلمع بشدة. اقترب عمر ببطء، وقلبه يدق كطبول الحرب، ليرى الشعار. كان عبارة عن عين بشرية منحوتة بدقة متناهية من معدن بارد، وفي وسط البؤبؤ ترس محطم. لم يرى عمر في حياته قطعة بهذا الإتقان؛ بدت العين وكأنها تتبعه أينما تحرك.
بمجرد أن أخرج أدواته وبدأ بمحاولة فك الشعار، حدث ما لم يكن في الحسبان. أصدرت السيارة صوتاً يشبه زفير بشري طويل، واشتعلت مصابيحها فجأة بلون أحمر قانٍ غمر المكان كله بضياء مرعب. حاول عمر التراجع، لكنه اكتشف أن قدميه ملتصقتان بالأرض. نظر إلى عداد المسافات في لوحة القيادة، ورأى الأرقام تتحرك للخلف بسرعة مرعبة، ومع كل رقم يتناقص، كان يشعر بجزء من ذكرياته يختفي.
فجأة، انفتحت أبواب السيارة من تلقاء نفسها، وخرج منها دخان أسود كثيف بدأ يتشكل على هيئة أذرع طويلة. صرخ عمر طلباً للنجدة، لكن صوته كان يتلاشى ويتحول إلى مجرد صدى ميكانيكي. رأى انعكاسه في زجاج السيارة، لكنه لم يجد وجهه؛ بل رأى مكانه شعاراً لسيارة قديمة كان قد سرقه من مقبرة سيارات في صغره. أدرك عمر متأخراً أن هذه السيارة لا تجمع المسافات، بل تجمع "الأرواح" التي تهيم بالجماد.
في لحظاته الأخيرة، شعر بجسده يتقلص وينكمش، وعظامه تبرد وتتحول إلى معدن. في الصباح التالي، دخل البائع المجهول إلى المستودع، مسح الغبار عن مقدمة السيارة، وابتسم وهو يرى الشعار الجديد الذي أضيف بجانب "العين": كان شعاراً صغيراً يحمل ملامح وجه عمر وهو يصرخ. وضع البائع يده على غطاء المحرك وقال هامساً: "مجموعتي تكبر دائماً بالهواة أمثالك ، فلنر من التالي ". ثم ضحق ضحكه شريره ثم ركب السياره وذهب بها الى مكان ما اختفت السيارة في لمح البصر، تاركة المستودع فارغاً، وكأن عمر لم يكن له وجود يوماً.