حين يصبح الحب محرّمًا (الجزء الثالث)
سنوات الفراق
الفراق ما كانش لحظة،
كان زمن كامل.
عدّى أول يوم بعد الانفصال تقيل، وعدّى اللي بعده أتقل، وبعدين الأيام بقت شبه بعض، كلها وجع صامت. نازلي خرجت من البيت وهي مش بس مطلّقة، لكنها مكسورة من فكرة إن الخيانة جت من اتنين كانوا أقرب ناس لقلبها.
اختارت تبعد.
مش علشان تهرب، لكن علشان تحمي نفسها وبناتها.
لينا وليان كانوا لسه صُغيرين، ما يفهموش ليه باب اتقفل، وليه حضن اختفى. نازلي قررت تكون كل حاجة: الأم، والأب، والسند. اشتغلت، تعبت، وسهرت، وابتسمت غصب عنها علشان ما يحسوش بالنقص.
في الليل، لما البيت يهدى، كانت الحقيقة تطلع.
دموع مكتومة، وذكريات بتهاجمها من غير إنذار. كانت تفتكر مازن مش كزوج، لكن كحبيب قديم، كابن عم شاركها طفولتها، وتلعن نفسها لأنها لسه بتوجع.
أما مازن، فكان عايش عقاب من نوع تاني.
البيت اللي كان مليان صوت التوأم بقى فاضي.
الهدوء بقى خانق. حاول يقنع نفسه إن اللي حصل كان غلطة وعدّت، بس كل تفصيلة كانت بتفكّره إنه هو اللي هدّ كل حاجة بإيده.
زينة اختفت تمامًا.
لا أخبار، لا محاولات تواصل. وبعد ما اتكشفت، محدش بقى يشوفها زي الأول. مازن اكتشف الحقيقة متأخر: هي ما كانتش حب، كانت هروب.
الندم دخل حياته متأخر،
بس دخل تقيل.
حاول يكلم نازلي أكتر من مرة.
رسايل طويلة، اعتذارات، محاولات شرح. لكنها كانت بترد ببرود، أو ما تردّش خالص. مش كره، لكن حماية.
السنين عدّت.
لينا وليان كبروا.
بقوا بنتين شبه بعض في الشكل، مختلفين في الروح. لينا هادية، حساسة، بتفهم من النظرة. وليان جريئة، سريعة، بتسأل من غير خوف.
وفي يوم، السؤال اللي كانت نازلي خايفة منه جه:
"بابا فين؟"
الكلمة وقعت على قلبها.
ما كذبتش، لكنها ما قالتش كل الحقيقة. قالت إن باباهم بعيد، وإنهم هيشوفوه لما يكبروا. كانت عايزة تحمي صورتهم عنه، وتحمي نفسها من فتح باب لسه مقفول بالعافية.
مازن كان متابع من بعيد.
يعرف أخبارهم من ناس، يشوف صورهم بالصدفة. كل مرة يشوف لينا وليان، يحس بخسارة أكبر. كان نفسه يكون موجود، بس ما كانش عارف يرجع من غير ما يوجعهم أكتر.
مرّت سنوات الفراق، وكل واحد اتغيّر.
نازلي بقت أقوى.
مش لأن الوجع راح، لكن لأنها اتعلمت تعيش معاه. بقت مستقرة، معتمدة على نفسها، وبناتها بقوا مركز حياتها. الحب بالنسبة لها بقى فكرة بعيدة، شبه ذكرى.
أما مازن، فبقى أهدى.
تعلّم من غلطه، لكن الدرس كان تمنه غالي. حاول يعيد ترتيب حياته، يشتغل أكتر، يثبت لنفسه قبل أي حد إنه اتغير.
وفي يوم، القدر قرر يتدخل.
مناسبة عائلية جمعتهم بعد سنين.
مكان واحد، نفس الوجوه، لكن بقلوب مختلفة. نازلي دخلت ومعاها لينا وليان، ومازن شافهم لأول مرة بوضوح.
الوقت وقف.
شبهه في ملامحهم كان صادم.
ضحكتهم، نظراتهم، حتى وقفتهم. حس إن قلبه بيتسحب من مكانه.
لينا بصّت له بفضول:
"ماما… ده مين؟"
نازلي اتلخبطت، بس تماسكت:
"ده… باباكم."
الصمت كان تقيل.
مازن قرب بحذر، كأنه خايف يلمس الحلم فيختفي. ركع قدامهم، وعينيه مليانة دموع ما حاولش يخبيها.
"وحشتوني."
وليان ما فهمتش كل حاجة،
لكن لينا حسّت. قربت خطوة، وبصّت له:
"إنت هتمشي تاني؟"
السؤال كسّره.

اللقاء فتح باب اتقفل سنين.
مش حب مباشر، لكن وجع قديم طلع للنور. نازلي كانت قوية، بس قلبها اتلخبط. مازن كان ندمان، بس ما طالبش بحاجة.
قال بهدوء:
"مش جاي أرجع… جاي أتحمّل مسؤوليتي."
الكلام كان صادق، وده اللي خوّف نازلي أكتر.
الأيام اللي بعد اللقاء كانت مختلفة.
تواصل بسيط علشان البنات. مواعيد، مكالمات، وحدود واضحة. لكن المشاعر القديمة بدأت تتحرك، ببطء وخوف.
الاستقرار اللي بنته نازلي كان مهدد.
والهدوء اللي وصل له مازن كان على المحك.
الكل كان فاكر إن اللي فات انتهى.
لكن الحقيقة إن بعض القصص ما بتموتش…
بتستنى الوقت المناسب ترجع تسأل سؤالها الأخير.
هل الحب اللي اتكسر زمان
ينفع يتصلّح؟
ولا في جروح
حتى الزمن ما بيعالجهاش؟