طارق الليل و الزهرة المضيئة

طارق الليل و الزهرة المضيئة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

طارق الليل و الزهرة المضيئة 

في قلب غابة كثيفة، حيث تتعانق الأشجار كالأشباح وتهمس الرياح بأسرار الماضي، عاشت "ليلى" وحيدة في كوخ صغير. كانت يتيمة بعد أن فقدت كلا والديها فى حادث صيد، لكنها وجدت عزاءها ورفقتها في حديقة زهورها النادرة، التي كانت تعتني بها كأخواتها الصغار، خاصة تلك البذور المتوهجة التي ورثتها عن والدتها، والتي كانت تشع نوراً خافتاً في الليالي المظلمة وتشعرها بالأمان والونس.

​في إحدى الليالي العاصفة، بينما كانت ليلى تلملم بذورها الثمينة وتضعها في صندوق خشبي محكم الإغلاق تحت سريرها، كانت قد اهدته لها والدتها في غير ميلادها ، مصنوع من خشب الأرز ومطعم بزهور مدببة ملونة باللون الأزرق،  سمعت ليلي طرقات خفيفه على الباب . فتحت الباب بحذر لتجد رجلاً عجوزاً، تبدو عليه علامات التعب والإرهاق، وعيناه تغطيهما طبقة رمادية توحي بضعف بصره.

image about طارق الليل و الزهرة المضيئة

​"يا ابنتي الصغيرة،" قال بصوت أجش، "لقد أضعت طريقي في هذه العاصفة، وعيناي لا تكادان تريان شيئاً. هل تسمحين لي بالمبيت ليلة واحدة في كوخك حتى ينجلي الظلام؟"
​شعرت ليلى بالشفقة، فقلبها الطيب لم يطاوعها على تركه وحيداً في هذا الطقس القاسي. أدخلته الكوخ، وقدمت له حساءً دافئاً وشاي الأعشاب. جلس العجوز بجوار المدفأة، وراح يروي قصصاً عن أسفاره وأماكن بعيدة، لكن ليلى لاحظت أن عينيه، رغم ادعائه بالضعف، كانتا تلمعان ببريق غريب كلما وقعتا على نافذة حديقتها.

​مع مرور الساعات، بدأت ليلى تشعر بنعاس شديد، رغم أنها لم تشرب الشاي الذي قدمته للعجوز. حاولت أن تقاوم، لكن جسدها خانها، واستسلمت للنوم العميق على كرسيها.

​استيقظت ليلى فجأة على صوت خشخشة خافتة قادمة من تحت سريرها. فتحت عينيها بصعوبة لتجد العجوز جاثياً على ركبتيه، يفتح صندوقها الخشبي الذي يحوي بذورها النادرة! لم يكن بصره ضعيفاً كما ادعى؛ بل كان يتفحص البذور بتركيز شديد، ويداه ترتجفان من الطمع.

​لم تستطع ليلى أن تتحرك أو تصرخ؛ كان جسدها مخدرًا بفعل شيء دسّه العجوز في الماء الذي شربته. حاولت أن تلتقط أنفاسها، وشعرت ببرد قارس يتسرب إلى عظامها، ليس من برودة الغرفة، بل من الخوف من هذا الموقف الغريب.

​رفع العجوز رأسه ببطء، وكأنما شعر بوجودها. التقت عيناه اللامعتان بعينيها المرتجفتين. لم يقل كلمة واحدة، بل اكتفى بابتسامة باردة كالصقيع، ابتسامة كشفت عن أسنان صفراء وحادة. ثم مد يده ليقتلع حفنة من بذورها المتوهجة.
​فجأة، اهتز الكوخ بعنف، وكأن قوة خفية قد ضربته. انكسر زجاج النافذة، ودخلت نسمة باردة حادة حملت معها صوت همس مخيف من الغابة، وكأن الأشجار نفسها غاضبة.

​تراجع العجوز للخلف مذعوراً، وسقطت البذور من يده. حاول أن يركض نحو الباب، لكن أرجل الكرسي الذي كانت تجلس عليه ليلى امتدت كالأغصان، وتشابكت حول قدميه، فأوقعته أرضاً.

​في تلك اللحظة، استعادت ليلى جزءاً من قواها. نظرت إلى العجوز الذي كان يصارع أغصان الكرسي الخشبية، ثم إلى البذور المتناثرة على الأرض. لم تعد متوهجة بل كانت تشع لوناً أحمر داكناً كالدماء، يبدو أنها تشبعت بطباع العجوز، فقد كانت والدتها تخبرها بأن زهورهم صفراء اللون وتشفي من أمراض معينة إذا تم خلطها مع أعشاب أخرى ، فترجت والدتها أن تعلمها كيف تصنعها، لكن والدتها أخبرتها ، بأنه عندما يحين الوقت المناسب،ستجد كتاب الوصفات لتتعلم سر صنعة الأجداد.

​لم تتذكر ليلى  من ليلة أمس ،سوى أنها سمعت صوت العجوز وهو يصرخ، ثم اختفى. وعندما حل الصباح، لم تجد أثراً له، ولا للبذور التي كانت على الأرض، لكنها وجدت شيئاً آخر: زهرة سوداء اللون نمت فجأة من الأرض مكان سقوط العجوز، وكانت تومض ببريق أحمر مخيف.

​عرفت ليلى حينها أن بذورها لم تكن مجرد بذور، وأن الغابة كانت حارستها الصامتة. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تستقبل أحداً في كوخها، وعاشت في خوف دائم من كل غريب يطرق بابها، ومن الزهرة السوداء التي لم تتوقف عن النمو في كوخها،  فظلت شاهدة على الليلة التي كادت فيها أن تخسر كل ما تملك من بذور والدتها. 
 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
omnia abd el aziz تقييم 5 من 5.
المقالات

14

متابعهم

7

متابعهم

5

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.