🦉 لعنة البومة السوداء

🦉 لعنة البومة السوداء
لم يكن “سليم” من النوع الذي يخاف بسهولة، بل كان دائم السخرية من الحكايات القديمة التي يرددها أهل القرى. وعندما اضطر للانتقال إلى بيت جده المتوفي في قرية بعيدة تحيط بها الأشجار الكثيفة، اعتبر الأمر مجرد مغامرة جديدة، بعيدًا عن صخب المدينة.
منذ اليوم الأول، لاحظ أن أهل القرية يتجنبون الحديث معه كثيرًا، وكأنهم يخفون شيئًا. وفي إحدى الأمسيات، جلست بجواره امرأة عجوز عند دكان صغير، وقالت بصوت منخفض:
"إياك والبومة السوداء… لا تسمع صوتها، ولا تنظر إليها."
ابتسم سليم بسخرية، وردّ:
"مجرد بومة؟ هل هذا ما يخيفكم؟"
لم تجبه، فقط نظرت إليه بعينين مليئتين بالخوف، ثم ابتعدت.
في تلك الليلة، وبينما كان سليم يجلس في غرفة جده القديمة، يقرأ كتابًا تحت ضوء خافت، سمع صوتًا غريبًا.
صرخة طويلة، حادة، كأنها مزيج بين صراخ إنسان وصوت حيوان.
توقف عن القراءة، وأصغى جيدًا.
مرة أخرى… نفس الصوت، لكنه هذه المرة أقرب.
نهض ببطء، وحاول إقناع نفسه أن الأمر طبيعي. "مجرد بومة"، قالها بصوت مسموع ليكسر توتره. لكنه عندما اقترب من النافذة، شعر بشيء غريب… سكون غير طبيعي، وكأن الهواء نفسه توقف.
تذكر تحذير العجوز، فتردد للحظة.
لكن فضوله كان أقوى.
فتح الستارة ببطء… ونظر.
هناك، على غصن شجرة قريبة، كانت تقف بومة سوداء، أكبر من أي بومة رآها من قبل. ريشها داكن كأنه يمتص الضوء، وعيناها حمراوان تلمعان بشكل غير طبيعي.
لكن أكثر ما أرعبه… أنها لم تكن تنظر حولها، بل كانت تحدق فيه مباشرة.
وفجأة… أصدرت نفس الصرخة، ولكن هذه المرة، لم يسمعها بأذنه فقط… بل شعر بها داخل رأسه.
تراجع للخلف وهو يلهث، لكن شيئًا ما كان خطأ.
الصوت لم يعد بالخارج.
كان داخل الغرفة.
التفت ببطء، وقلبه يكاد يتوقف…
فرأى ظلًا أسود يتشكل على الحائط، كأنه جناحان يمتدان ببطء.
بدأ الظل يكبر، يقترب منه، حتى صار يغطي نصف الغرفة.
حاول سليم الهرب، ركض نحو الباب، لكنه لم يستطع فتحه. كأن قوة خفية تمسك به وتعيده للخلف.
ثم سمع صوتًا… ليس صوت البومة هذه المرة، بل صوتًا بشريًا، خافتًا ومخيفًا:
"سمعتني… ورأيتني… الآن لن ترحل."
صرخ سليم بكل قوته، لكن صوته لم يخرج.
انطفأت الأنوار فجأة، وغرقت الغرفة في ظلام دامس.
ولثوانٍ… لم يكن هناك شيء سوى الصمت.
ثم… صرخة.
لكنها لم تكن صرخة البومة وحدها…
كانت صرختين.
في صباح اليوم التالي، جاء أهل القرية إلى المنزل بعد أن لاحظوا أن الباب مفتوح. دخلوا بحذر، ينادون اسم سليم… لكن لم يكن هناك أحد.
الغرفة كانت كما هي… إلا من شيء واحد.
على الحائط، ظهرت علامة سوداء، تشبه جناحين ممدودين.
وتحتها… خدوش، كأن أحدهم حاول المقاومة حتى اللحظة الأخيرة.
تنهدت العجوز التي حذرته، وقالت بحزن:
"قلنا له… لكن اللعنة تختار من لا يصدق."
ومنذ تلك الليلة،
لم تعد صرخة البومة السوداء وحيدة…
بل أصبح هناك صوتان،
أحدهما… لم يعد صوت بومة. 🦉