🩸 العهد القديم

🩸 العهد القديم
لم يكن "سليم" يؤمن بالخرافات.
كان يرى أن كل ما يُحكى عن الأرواح والظلال والكيانات المجهولة مجرد أوهام صنعها الخوف… حتى ورث ذلك المنزل القديم.

المنزل كان يقع في أطراف قرية مهجورة، حيث لا صوت سوى الرياح التي تعوي بين الأشجار اليابسة، ولا نور سوى قمر شاحب يبدو وكأنه يراقب كل شيء من الأعلى.
منذ اللحظة الأولى، شعر سليم بأن هناك شيئًا غير طبيعي.
الجدران كانت مغطاة بنقوش غريبة، رموز لم يرَ مثلها من قبل، كأنها لغة قديمة منسية. وفي وسط الصالة، وجد بابًا خشبيًا صغيرًا في الأرض، مغلقًا بسلسلة صدئة.
قال له أحد أهل القرية قبل أن يرحل: “إياك تفتح الباب ده… ده مش باب عادي.”
لكن الفضول… كان أقوى.
في الليلة الثالثة، لم يستطع النوم.
كان يسمع همسات… ليست واضحة، لكنها كافية لتجعله يشعر بأن هناك من يناديه باسمه.
“سليم…”
جلس فجأة، وقلبه يخفق بسرعة.
الصوت كان يأتي من أسفل… من تحت الأرض.
اقترب ببطء من الباب الخشبي، ويده ترتجف وهو يلمس السلسلة.
“ده مجرد خوف… مفيش حاجة حقيقية.”

فتح القفل.
بصوت صرير طويل، انفتح الباب ليكشف عن درج ضيق يقود إلى ظلام دامس.
نزل.
كل درجة كان يخطوها، كان يشعر بأن الهواء يزداد برودة… وثقيلًا، كأن المكان يرفض وجوده.
عندما وصل إلى الأسفل، وجد غرفة صغيرة.
في منتصفها… مذبح حجري.
حول المذبح، كانت نفس الرموز التي رآها في الأعلى، لكنها هنا كانت أعمق… وكأنها محفورة بيد شخص يائس.
وفجأة…
“أخيرًا…”
الصوت كان واضحًا هذه المرة.
تجمد سليم في مكانه.
“مين هناك؟!”
لم يكن هناك أحد… لكن الظلال بدأت تتحرك.
ليست ظلالًا عادية… بل كأنها تنفصل عن الجدران وتزحف نحوه.
ظهر أمامه كتاب قديم، موضوع على المذبح.

جلده أسود، ومكتوب عليه بلغة لم يفهمها… لكنه شعر أنه يعرف معناها.
“العهد.”
فتح الكتاب.
لم تكن الكلمات مفهومة، لكن الصور كانت واضحة.
أشخاص… يقدمون قرابين.
وجوههم خالية من المشاعر، وعيونهم فارغة.
في كل صفحة، كان العدد يقل… حتى لم يبقَ سوى شخص واحد.

وفي الصفحة الأخيرة…
كان هناك رسم لشخص يشبهه.
أغلق الكتاب بعنف.
“دي مجرد خرافات!”
لكن الصوت عاد… أقرب هذه المرة.
“أنت اخترت…”
شعر بشيء يلمس كتفه.
التفت بسرعة… لكن لم يكن هناك أحد.

ثم رأى انعكاسه على سطح المذبح.
لكن…
الانعكاس لم يكن مطابقًا.
الوجه كان يبتسم… بينما هو لم يكن يبتسم.
تراجع للخلف وهو يلهث.
“إيه ده…؟!”

وفجأة، ظهرت يد سوداء من تحت المذبح… ثم أخرى… ثم عشرات الأيادي، تمتد نحوه.
حاول الهرب، لكن الأرض تحته بدأت تتحرك.
الرموز على الجدران بدأت تضيء بلون أحمر قاتم.
والصوت… أصبح أعلى.
“العهد لا يُكسر…”
سقط سليم على الأرض، وشعر بأن شيئًا يسحبه.
صرخ… لكن صوته اختفى.
وفجأة…
كل شيء سكن.

وجد نفسه واقفًا… في نفس الغرفة.
لكنها كانت مختلفة.
النار مشتعلة حول المذبح، والظلال لم تعد مخيفة… بل واقفة، كأنها تنتظر.
وفي يده…
سكين.
نظر حوله بارتباك.
ثم سمع الصوت مرة أخرى، هذه المرة داخل رأسه:
“لتُكمل العهد…”
نظر إلى الأرض.
كان هناك شخص ممدد… لا يتحرك.
اقترب ببطء…
وعندما رأى وجهه…
تجمد.
كان هو.
نسخة أخرى منه، بلا حياة.
صرخ، وأسقط السكين.
لكن يده… تحركت من تلقاء نفسها.
رفعت السكين مرة أخرى.
“لا… لا… مش أنا!”
لكن جسده لم يعد ملكه.
كانت هناك قوة تتحكم فيه.
قوة قديمة.
قوة تنتظر منذ زمن طويل.
اقترب من الجسد…
والسكين نزلت.
وفي اللحظة التي لامست فيها النصل الجلد…
انطفأت الأنوار.
وساد الصمت.