حين يسقط الزمن بين مكالمتين

حين يسقط الزمن بين مكالمتين

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 


حين يسقط الزمن بين مكالمتين

هلوسه. 

وأنا أتأمل… وأتأمل… تبدأ أزقة عقلي بالهذيان.

ساعتان أو ثلاث من وقت الظهيرة، ومثلهما بعد منتصف الليل. هذا كل ما تمنحه لنا الحياة لنشعر أننا ما زلنا قريبين، ثم تعود فتنتزع ذلك كله وكأنها لم تعطنا شيئًا. السهر الذي يجر من خلفه الأرق، والأرق الذي يجر من خلفه ألف فكرة، والأصابع التي تتفقد الهاتف كل بضع دقائق، لعل رسالةً وصلت، أو اتصالًا جاء متأخرًا يحمل شيئًا من الطمأنينة.

نحن اثنان يلتقطان الوقت بشباكٍ مثقوبة. كلما ظننا أننا أمسكنا بلحظة، أفلتت من بين أصابعنا. ندرك قيمة اللقاء أكثر من غيرنا، لأننا لا نملكه متى شئنا، بل نستعيره من الظروف على استحياء، ثم نعيده إليها مكرهين.

لا أحد يعلم كم مرة تفاوضنا مع الساعات، وكم مرة توسلنا للوقت أن يتباطأ قليلًا. لا أحد يعلم أن دقائق اللقاء تُقاس عندنا بالأعمار، وأن الغياب لا يُحسب بالأيام، بل بعدد المرات التي اضطررنا فيها أن نقول: “إلى اللقاء” ونحن نعلم أن اللقاء القادم قد يتأخر كثيرًا.

هناك أشخاص يعيشون الحب بسهولة، يلتقون متى أرادوا، ويغضبون ثم يتصالحون في اليوم نفسه. أما نحن، فحتى الخصام رفاهية لا نملكها، لأن الوقت الذي يجمعنا أثمن من أن نضيعه في العتاب. لذلك نبتلع كثيرًا من الكلمات، ونؤجل كثيرًا من الدموع، ونكتفي بالنظر إلى بعضنا وكأن النظرات قادرة على قول كل ما تعجز عنه اللغة.

أكثر اثنين نتحايل على المسافات… نحن.

نبني من الخيال جسورًا، ومن الذكريات وطنًا صغيرًا، ومن الرسائل دفئًا يكفي ليومٍ كامل. نتعلم كيف نصنع حضورًا من الغياب، وكيف نزرع الطمأنينة في قلبٍ يبعد آلاف الأميال. ورغم ذلك، يبقى في داخلنا فراغ لا يملؤه سوى لقاءٍ حقيقي، لا شاشة، ولا سماعة، ولا كلمة مكتوبة.

حين أسمع صوتك، أشعر أن المدن كلها تقترب مني. وحين تضحكين، ينسى العالم ثقله للحظات. أهمس من خلف أذنك: “أحبك”، رغم أن بيننا طرقًا وحدودًا وبحارًا لا تُحصى. أشعر بيديك بين خصلات شعري، وأكاد أصدق أن المسافة مجرد كذبة اخترعها الجغرافيون، وأن القلب يعرف طريقه دائمًا مهما ابتعدت الخرائط.

في تلك اللحظات، يسقط ألفا ميل بيننا، ويتوقف الزمن عن أداء مهمته المعتادة. لا يعود للمسافات معنى، ولا للساعة سلطة. يصبح العالم غرفةً صغيرة تجمع قلبين فقط، وما عدا ذلك مجرد تفاصيل بعيدة.

لكن الحياة لا تمنحنا نهاية جميلة لكل لقاء.

فجأة…

ينقطع الاتصال.

يعود كل شيء إلى مكانه. تعود المدن متباعدة، والليل أطول مما كان، والهاتف مجرد قطعة صامتة بين يدي. أظل أحدق في الشاشة الفارغة وكأنها مدينة أُطفئت أنوارها دفعةً واحدة. أبتسم أحيانًا لأنني رأيتك، وأحزن أكثر لأنني اضطررت لوداعك مرة أخرى.

أدرك يومًا بعد يوم أن الحب ليس في كثرة اللقاءات، بل في القدرة على انتظار اللقاء القادم دون أن يموت القلب. وأن الاشتياق ليس ضعفًا، بل دليل على أن هناك شخصًا استطاع أن يترك أثرًا لا تمحوه الأيام.

وربما لهذا السبب، كلما انتهت مكالمة، لا أشعر أنها انتهت فعلًا، بل تبدأ بعدها حكاية أخرى مع الانتظار. انتظار الرسالة التالية، والصوت التالي، والصدفة التالية، واليوم الذي لن نحتاج فيه إلى عدّ الدقائق أو مراقبة الساعة أو الخوف من انقطاع الاتصال.

إلى أن يأتي ذلك اليوم، سأبقى أؤمن أن بعض الأشخاص لا تُقاس المسافة بينهم بالكيلومترات، بل بمقدار ما يملأون قلوبنا من حياة. وأن الحب الحقيقي لا يهزمه البعد، بل يصقله، حتى يصبح اللقاء الواحد أثمن من ألف لقاء عابر.

ثم… ينقطع الاتصال.

لكن الحب، لا ينقطع أبدًا.

شكراً W.E.W 

image about     حين يسقط الزمن بين مكالمتين
 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
سنيور شرقي تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

6

متابعهم

0

مقالات مشابة
-