رسالة مرعبة من رقم مجهول
الرسالة التي وصلت بعد الوقت.
في إحدى ليالي الشتاء القارسة، كان "طارق"، الشاب الهادئ ذو العشرين عاماً، جالساً في ركنه المعتاد بغرفته في الطابق الرابع عشر بإحدى بنايات القاهرة القديمة. الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وكان السكون يطبق على المدينة بأسرها، عدا عن صوت زخات المطر الخفيف والمتواصل الذي يقرع زجاج النافذة وباب الشرفة الزجاجي المجاور لمكتبه الخشبي. كان طارق منغمساً في مراجعة بعض الحسابات المعقدة بعينين مجهدتين، محاولاً الانتهاء من عمله قبل حلول الصباح.
فجأة، وسط هذا الهدوء الذي لا يقطعه إلا صوت القلم على الورق، أضاءت شاشة هاتفه الذكي الملقى أمامه على المكتب بضوء أزرق خافت، معلنة عن وصول إشعار رسالة جديدة. لم يكن يتوقع أحداً في هذا الوقت المتأخر، فظن أنها رسالة ترويجية عادية أو خطأ من أحد التطبيقات. لكن، عندما وقع بصره على شاشة الهاتف، جمد الدم في عروقه.
الإشعار كان يظهر رقماً غريباً تماماً، يتكون من أربعة أرقام غير مألوفة (مثلاً: 1919)، ولم يكن مسجلاً في قائمة جهات الاتصال لديه. والأغرب من ذلك، والأكثر إثارة للحيرة والقلق، هو محتوى الرسالة النصية القصيرة الذي ظهر بوضوح تام على الشاشة المغلقة:
“لا تفتح باب الشرفة الآن مهما أطرق طارق.. الجو بارد في الخارج.”
شعر طارق بصدمة كهربائية تسري في جسده. كيف يمكن لشخص أن يرسل له رسالة تحذيرية شخصية، ويناديه باسمه الأول، وهو جالس وحيداً في شقته المغلقة؟ بدأت أفكار غريبة تتسارع في عقله؛ هل هو هاكر؟ هل هي مزحة ثقيلة من صديق؟ أم أن هناك من يراقبه؟
تسلل شعور خفي بالبرودة غير المعتادة إلى أطرافه، رغم أن المدفأة كانت تعمل. ساد صمت مطبق في الشقة، صمت جعل دقات قلبه تتسارع ببطء وقوة، كأنها طبول الحرب تدق في صدره. وفجأة، تلاه فجأة صوت نقر خفيف، متردد ولكنه مسموع بوضوح، قادم من اتجاه باب الشرفة الزجاجي المؤدي إلى الشرفة الخارجية المبللة بالمطر.
تحركت نظرات طارق ببطء شديد، مشحونة بالرعب، نحو الستائر المخملية الثقيلة التي كانت تغطي باب الشرفة. كانت الستائر مغلقة بإحكام، ولكن النقر تكرر مرة أخرى.. ولكن هذه المرة كان أقوى قليلاً، مصحوباً بصوت احتكاك خفيف، وكأن أحداً ما يقف في الخارج ويهز الباب برفق، محاولاً فتحه.
وسط حالة من الخوف العارم والفضول القاتل، حاول طارق إقناع نفسه بأنها مجرد خيالات بسبب التعب، أو ربما عصفور مبلل يبحث عن مأوى، أو صوت قطة شاردة. فامتدت يده بارتجاف شديد نحو الهاتف ليضغط على زر الاتصال، محاولاً إعادة الاتصال بهذا الرقم الغريب ومعرفة من يتلاعب به بهذه الطريقة المرعبة في هذا الوقت المتأخر. لكن بمجرد أن ضغط على زر الاتصال، ظهرت على شاشة الهاتف عبارة صادمة وجارحة:
“عذراً، هذا الرقم غير مسجل في الخدمة، أو ربما لم يعد موجوداً.”
سقط الهاتف من يده على المكتب من هول المفاجأة. كيف يمكن لرقم غير موجود أن يرسل رسالة قبل ثوانٍ؟ عقد طارق حاجبيه في حيرة قاتلة، وقرر أن يتحقق بنفسه، متجاهلاً نداءات الخوف بداخله. أخذ نفساً عميقاً ليهدئ من روعه، واقترب بخطوات بطيئة وحذرة من باب الشرفة، وم يده ليجذب الستارة الثقيلة ويفتحها فجأة ليواجه الفراغ..
لكن، لم يكن هناك أي أحد في الشرفة الخالية المظلمة، والشارع في الأسفل كان هادئاً وخالياً تماماً من المارة بسبب المطر المتساقط.
لم يدم التقاط أنفاسه طويلاً؛ ففي تلك اللحظة بالضبط، اهتز الهاتف في يده مجدداً برسالة جديدة من نفس الرقم "المحذوف" أو غير الموجود، وتقول العبارة الجديدة ببرود شديد وقسوة:
“لقد قلت لك.. لا تلتفت إلى الخلف الآن.”
توقف الدم تماماً في عروق طارق، وتسمر في مكانه. وجد نفسه عاجزاً تماماً عن حتى مجرد تحريك رقبته سنتيمتراً واحداً لينظر خلفه في الغرفة المظلمة، وشعر بوجود شيء ثقيل، شيء بارد، شيء غير مرئي، يقف خلف ظهره مباشرة.
please login to be able to comment