الباب السري الغامض

الباب السري الغامض

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سر الباب الموارب.image about الباب السري الغامض

لم يكن الانتقال إلى شقة جديدة في حي قديم وهادئ أمراً سهلاً بالنسبة لطارق، الشاب الذي كان يبحث عن مكان هادئ يستقر فيه بعد حصوله على عمل جديد يعتمد على الهدوء والتركيز. العمارة كانت تتميز بطرازها المعماري الكلاسيكي الساحر، بجدرانها العريضة وسلالمها الخشبية العتيقة التي تصدر أصواتاً خافتة مع كل خطوة، مما يضفي على المكان شعوراً بالأصالة والسكينة بعيداً عن صخب المدينة المزدحمة.

في الأيام الأولى، سارت الأمور بشكل طبيعي تماماً. رتب طارق أثاثه البسيط، وأعد مكتبه الصغير بجوار النافذة التي تطل على شارع جانبي هادئ. لكن مع مرور الأسبوع الأول، بدأ يلاحظ تفصيلة غريبة لم يلتفت إليها يوم معاينته للشقة. في ممر صغير يؤدي إلى المطبخ، كان هناك باب خشبي صغير جداً، أشبه بخزنة حائط قديمة أو نافذة خدمات مهملة، مقفل بإحكام ومثبت بلون الطلاء نفسه للجدار بحيث يکاد يختفي تماماً عن الأنظار لولا الحواف البارزة.

لم يكترث طارق للأمر في البداية، اعتقد أنه مجرد باب قديم لمساحة تخزين مغلقة أُغلقت للأبد. لكن ما لفت انتباهه حقاً وتكرر بنظام غريب هو ما كان يحدث كل ليلة في تمام الساعة الثانية عشرة دقايق بالضبط. في هذا التوقيت من كل ليلة، كانت تفوح من حواف ذلك الباب الصغير رائحة خفيفة ومألوفة للغاية؛ رائحة قهوة مظبوطة تماماً مع لمسة هادئة من البخور القديم. لم تكن رائحة مزعجة، بل كانت دافئة بشكل غريب لا ينتمي أبداً لزمننا الحالي.

في الليلة الخامسة، وبسبب الفضول الذي بدأ يتسلل إلى عقله، قرر طارق أن يسأل بواب العمارة العجوز، عم حسن، الذي قضى عقوداً في هذا المكان. عندما فاتحه طارق في أمر الباب الصغير ورائحة القهوة والبخور، لم تفاجأ ملامح عم حسن على الإطلاق، بل ظهرت على وجهه ابتسامة هادئة وهو يرتشف شاي النعناع الخاص به، وقال بصوت خفيض: "يا ابني، ده الباب اللي بيعدي منه زمن الناس القديمة اللي سكنوا هنا زمان. سيبه في حاله عشان ما يزعجكش، وريح بالك، دي عادة قديمة في العمارة ومش مؤذية خالص".

لم تروِ إجابة عم حسن فضول طارق، بل زادت من حيرته. كيف لزمن أن يعدي من باب خشبي؟ ومرت الأيام وهو يحاول تجاهل الأمر، لكن الرائحة المنتظمة كانت تلاحقه كل ليلة وتدعوه بصمت لفك طلاسم هذا اللغز.

وفي ليلة هادئة، لم يستطع طارق مقاومة رغبته الملحة في المعرفة. اقتراب من الباب الصغير في منتصف الليل، وكانت رائحة القهوة والبخور أقوى من أي وقت مضى. بحذر شديد، وضع يده على المقبض المعدني البارد، وللغريب أن المقبض لم يكن موصداً بقفل؛ بل دار بسلاسة غريبة وكأن أحداً كان ينتظره أن يفتحه طوال الأيام الماضية.

فتح طارق الباب ببطء شديد متوقعاً أن يجد خلفه خزانة مظلمة أو حائطاً من الطوب الخرساني. لكن ما رآه جعله يتسمر مكانه من الدهشة. لم تكن هناك غرفة أخرى، بل كان هناك مكتب خشبي صغير ومرتب بعناية فائقة، وفوقه أجندة ورقية مفتوحة كُتبت بخط يد أنيق وواضح تفاصيل اليوم الذي عاشه طارق دقيقة بدقيقة، بدءاً من موعد استيقاظه صباحاً، مروراً باتصاله الهاتفي بوالدته، وحتى تفاصيل كوب القهوة الذي صنعه قبل ساعة واحدة.

وقبل أن يستوعب هول المفاجأة، لاحظ وجود ورقة صغيرة موضوعة فوق الأجندة، كُتب بخط يد مألوف وبنفس الحبر القديم: "شكراً لأنك قرأت تفاصيل يومك بعناية.. ودور بكره عليك لتكتبه بنفسك".

شعر طارق ببرودة خفيفة تسري في أطرافه، ليس خوفاً مرعباً، بل ذهولاً تاماً أمام لغز زمني جميل وغامض لا يملك إزاءه سوى إغلاق الباب بهدوء، والجلوس على مقعده بانتظار شروق شمس يوم جديد ليرى كيف سيكتب قصته القادمة.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mammoud Mohmed Zawila تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

9

متابعهم

12

مقالات مشابة
-