الرقم الذي يغسل الزجاج

الرقم الذي يغسل الزجاج

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الرقم الذي يغسل الزجاج

استيقظ سالم في الثالثة فجرًا على رائحة ماءٍ باردٍ ممزوجة بزنخ الصدأ، فوجد شريطًا رقيقًا من الماء يتسلل من تحت باب غرفته، يلمع تحت ضوء المصباح الخافت كأنه حيّ يتنفّس. لم يكن في الفندق سواه — كما قال الاستقبال — لكن الماء كان يسري بهدوء، كأنه ي也知道 أين يذهب.

يوم وصوله

وصل سالم إلى فندق "دار الأندلس" بعد منتصف الليل، عائدًا من اجتماع متأخر في المدينة القريبة. كان المكان قديمًا يقشعر له الأبدان، مبنيٌّ على تلّ صخري يطلّ على وادي ضيّق، وواجهته مكسوّة بطين أحمر متشقّق. لم يكن هناك زبائن آخرون؛ عامل الاستقبال وحده جلس خلف لوحة زجاجية م霧ّمة، يتصفّح هاتفه بلا مبالاة. "غرفتك في الطابق الثالث،走廊 طويل على اليمين، آخر باب." أخرج المفتاح — معدنيّ ضخم بارد كثلج — وناوله لسالم بصمتٍ أشبه بالاستحياء.

صعد الدرج الخشبيّ الذي يئنّ تحت كل خطوة، ومشى في走廊 الطويل الذي بدا أطول مما ينبغي. جدرانه مكسوّة بورق حائطٍ أصفر به نقوشٌ هندسية باهتة، كأنها تتآكل ببطء شديد. وصل إلى آخر باب على اليمين، لكنّ ما رآه جعله يتوقف.

المرآة بلا رقم

لم يكن على الباب رقم.

نظر حوله بضيق، فلم يجد أيّ بابٍ آخر. أخرج المفتاح ونظر إلى البطاقة المعدنية المرفقة به: "الغرفة 314." عاد إلى الباب ودقّق في الخشب البني الداكن، فلم يجد أيّ نقشٍ ولا لوحٍ ولا أثر لرقمٍ ذهب قط. هزّ رأسه ودخل. الغرفة صغيرة نظيفة، سريرٌ وحيدٌ بملاءة بيضاء، ومرآةٌ كبيرة مثبتة على الجدار المقابل للباب، وحوضٌ صغير بحنفيّة نحاسية. نظر إلى المرآة فرأى رقم "314" يلمع خلفه كأنه مكتوبٌ على الزجاج من الجانب الآخر، واضحٌ وضوح الشمس.

لم يُعبأ كثيرًا. قدّم أنّ العمال أبقوا اللوحة على المرآة ونسوا الباب، أو أنّ المكان ببساطة متقادم ويحتاج صيانة. شطف وجهه ونام.

العلامة الأولى: صوت الماء

استيقظ في الثالثة فجرًا على صوت ماءٍ يتقاطر، خافتٌ ومنتظم كنبض قلبٍ مريض. فتح عينيه فرأى الشريط الرقيق من الماء يتسلّل من تحت الباب، يمتدّ نحوه كأصابع شفافة. نهض بهدوء ومشى نحو الباب، فأنزل رأسه ونظر إلى الفجوة السفلية: لم يكن هناك شيء — ممرٌّ جافٌّ وظلامٌ ثقيل. عاد إلى المرآة فرأى الرقم "314" لا يزال هناك، لكنّه بدا أوضح قليلًا، كأنّ حروفه تقترب.

قال لنفسه بصوتٍ خافتٍ: "أوهام. فقط ضغط العمل."

عاد إلى السرير وغمض عينيه. بعد دقائق — أو ربما ساعات — سمع صوتًا آخر: طرقٌ خفيفٌ على الباب، ثلاث دقاتٍ متتالية. انتظر. لا شيء. نظر من ثقب الباب فلم يرَ أحدًا، لكنّ المرآة في الغرفة وراءه كانت تعكس صورته مع شيءٍ آخر: ظلٌّ طويلٌ يقف في زاوية لم يكن هناك أحدٌ من قبل.

العلامة الثانية: الرائحة والضوء

في الصباح، خرج وسأل عامل الاستقبال عن الغرفة: "314؟ نعم، هذه غرفتك." أشار إلى اللوحة الكبيرة خلفه فلم يجد أيّ غرفة أخرى بالرقم 314. "كلّ الغرف مسجّلة هنا، سيّدي. لا توجد 314." قلّب سالم البطاقة المعدنية في يده ونظر إلى المفتاح، فلم يجد رقمًا عليه. شعر ببرودةٍ تزحف عبر عموده الفقري.

عاد إلى الغرفة بعد الظهر، فوجد رائحة الماء أقوى. لم تكن رائحة رطوبة عادية، بل شيءٌ أعمق، شيءٌ يشبه ماءً جامدًا لفترة طويلة، ممزوجًا بزنخٍ معدنيّ لاذع. وقف أمام المرآة فرأى الرقم "314" أقرب الآن، كأنّ الزجاج نفسه يتحرك نحوه ببطءٍ لا يُدركه إلا حين يقارن بين لحظتين. في تلك اللحظة، لاحظ أنّ الضوء المنعكس من المرآة لا يتطابق مع ضوء الغرفة: النافذة على يمينه لكنّ الانعكاس يظهرها على اليسار، والمصباح فوقه لكنّ الظلّ في المرآة يسقط من زاوية أخرى تمامًا.

مدّ يده نحو المرآة ببطء، فشعر ببرودةٍ قاسية تنبعث من السطح، برودةٌ تتجاوز الزجاج العادي، كأنّ يده تقترب من ثقبٍ في الشتاء. انسحب بسرعة.

العلامة الثالثة: المسافة التي تتقلّص

في الليلة الثانية، استيقظ في الثانية فجرًا على صوتٍ أشبه بالهمهمة: صوتٌ يأتي من داخل المرآة، غير واضح، كأنّ شخصًا يهمس خلف حجابٍ سميك. نظر إلى الباب فوجد الماء — هذه المرة لم يكن شريطًا رقيقًا بل بركةٌ صغيرة تتسع، وسطحها يرتجف كأنّ شيئًا يتحرّك تحته. رائحة المعدن الآن مهيمنة، تملأ الأنف والحنجرة، لا يمكن تجاهلها.

اقترب من المرآة فوجد الرقم "314" ي占据了 almost the entire mirror surface. لم يعد خلفه، بل كان فوقه، حوله، كأنّ المرآة نفسها أصبحت الباب. المسافة بينه وبين الزجاج تقلّصت دون أن يتحرّك، كأنّ الغرفة تتقلّص من كلّ اتجاه.

مدّ يده هذه المرة، فشعر بلمسةٍ على طرف أصابعه — لمسةٌ باردة من الجهة الأخرى، كأصابعٍ تقابل أصابعه عبر زجاجٍ رقيق. ارتجف وسحب يده، لكنّه شعر أنّ اللمسة انتقلت إلى معصمه، خطّ باردٌ يزحف نحو كوعه.

الانعطافة الهادئة

في الصباح، ترك سالم حقائبه واستسلم. ذهب إلى عامل الاستقبال وسأله ب calmnessٍ غريب: "هل يمكنني تغيير الغرفة؟" نظر إليه الرجل بتعجّب: "أيّ غرفة تريدها، سيّدي. لكنّ غرفتك 314، وهي جاهزة." أخرج سالم البطاقة فلم يجد رقمًا. أخرج المفتاح فلم يجد لوحًا. ذهب إلى الطابق الثالث فوجد ال走廊 طويلًا لكنّه ينتهي بثلاثة أبواب فقط، لا أربعة.

آخر ليلة

عاد إلى الغرفة ليجمع أغراضه، لكنّه وجد المرآة فارغة — لا رقمٌ عليها، لا ظلّ، لا انعكاسٌ سوى صورته هو. ابتسم ابتسامةً خافتة، شعر بالrelief، وخطا نحو الباب ليخرج. حين مدّ يده إلى المقبض، لاحظ أنّ المرآة وراءه تعكس حركته بشكلٍ مختلف قليلًا: صورته تتأخّر عن حركته بجزءٍ من الثانية، كأنّ الانعكاس ينتظر.

فتح الباب وخرج. ال走廊 فارغٌ والمصباح خافت. مشى نحو الدرج، وحين التفت أخيرًا، رأى أنّ الباب الذي خرج منه لا يحمل رقمًا — لكنّ بابًا آخر في نهاية ال走廊 يحمل "314"، بابٌ لم يكن هناك من قبل، مفتوحٌ على مصراعيه، والمرآة في داخله تعكس صورته وهو يبتعد، ورقمٌ جديد يظهر خلفه يقترب كلّما مشى.

لم يلتفت ثانيةً.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
YUANCHENG ZENG تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

5

متابعهم

3

مقالات مشابة
-