ظِلّ الرقم أربع
ظِلّ الرقم أربع
كرّرتُ طلبي للمرّة الثالثة، لكنّ صوتَي ابتلعهُ الهواء البارد الذي كان يخرج من فتحة التكييف كأنفاسِ حيوانٍ مريض. وقفتُ أمام الباب الخشبي الداكن، أحاول استيعاب ما أراه. النُّقَش النحاسي الذي يحمل رقم "405" كان قد انفلتَ من مكانه تماماً، تاركاً خلفه أثرًا مربّعاً فاتحًا في قِدمِ الخشب، وكأن الباب لم يحمل اسمًا قط. نظرتُ إلى يدي، فوجدتُ المفتاحَ بين أصابعي، ضاغطًا عليه بقوة حتى بيضّت مفاصلِي. كان المفتاح يحمل رقمًا واحدًا، واضحًا وحديديًا: "405". لم أكنُ متعبًا لدرجة أن أتخيل، لكنّ واقعي كان يتشقّق أمام عينيّ.
أخبرتُ الاستقبالَ، فجاء رجلٌ عجوز بعينين زائغتين يتفحّص الباب كأنه ينظر إلى جريح. هزّ رأسه وهمس: "لا غرفة بأربعمئة وخمسة هنا، سيدي. الطابق ينتهي عند أربعمئة وأربعة." أخرجتُ المفتاح وأريتهُ الرقمَ المحفور فيه، فتغيّر لونُ وجهه إلى مصفرّ مائل للأخضر. أخذ مني المفتاح وفتحَ به الباب المجاور، ثم أغلقه وفتحه مرّةً أخرى، وكأنّ السحر سيتكرّر. ثم أعاد لي المفتاح بيدٍ مرتجفة: "هذا مفتاح الغرفة المجاورة. يبدو أنكم أخذتمُ الخاطئ." لكنّ صوته كان يرتجف، وعيناه تهربان من نظرة الباب المفتوح الذي لا يحمل رقمًا.
الضوء الذي لا ينعكس
لم أكنُ لائقًا بالجدال، فأغلقتُ الباب وretreated إلى داخل الغرفة التي سُمّاها "404". جلستُ على الحافةِ الفراش، أتأمّل المفتاح الذي باتَ يبدو كقطعة أثرية غريبة. قرّرتُ أن أنام، وأن أنسى أمر النُّقش الساقط. لكنّ الحقيقة أنّ النسيان كان مستحيلاً.に�ظي الليل، وبدأ صوتُ التكييف يتصاعد ويتراجع كإيقاعِ قلبٍ غير منتظِم. شعرتُ بشيءٍ غريب في معدتي، وكأنّ جدرانَ الغرفة بدأت تتقلّص ببطء. رفعتُ عينيّ إلى المرآة العريضة التي تملأُ نصف الحائط المقابل للسرير. كانت تعكسُ الصورة بشكلٍ طبيعي، لكنّ شيئًا ما كان خاطئًا. لم أستطع تحديده في البداية، لكنّ ارتباكي كان يتصاعد.
أدرتُ رأسي، فوجدتُ أنّ المرآة تعكسُ نورَ المصباح الصغير بزاويةٍ مختلفة قليلًا عن الواقع. كان الضوء المنعكس أكثر حدة، وأكثر برودة، وكأنّ المرآة تمتلكُ مصدرَ نورٍ خاصّاً بها. لكنّ الصدمة جاءتُ من جهةٍ أخرى. وقفتُ ببطء، واقتربتُ من المرآة، فرأيتُ انعكاسي يتّبعُ حركاتي بتأخّرٍ بسيط، ثم وجدتُ أنّ أصابعَ انعكاسي كانت أطول من أصابعي الحقيقية، وأنّ عينَيه كانتا أكثر عمقاً، وكأنّهما تنظران من خلفِ زجاجٍ مائيّ. همستُ لنفسي، لكنّ صوتي لم يخرج، وكأنّ الهواء في الغرفة أصبح كثيفاً لا يسمح بالصراخ.
الرائحة التي تتسلّل
في الليلة الثانية، صحوتُ من نومي على رائحةٍ لم تكن موجودةً قبلاً. كانت رائحةَ مطهوٍ بطيء، رائحةُ طعامٍ تقليدي يُحضّرُ على نارٍ هادئة لساعات. لم أكنُ جائعاً، لكنّ رائحةَ البهارات واللحوم المطهوّة كانت تملأُ كلّ زاوية، وكأنّ المطبخَ كان خلفَ المرآة نفسها. نظرتُ إلى المرآة، فوجدتُ أنّ رقمَ الغرفة ظهرَ على سطحها الزجاجي بخطٍّ نحاسيّ، وكأنّ someone طبعهُ بإصبعه على البخار. رقمٌ واحد، واضح ومرهِق: "405". أغلقتُ عينيّ، وفتحتهما مجدّداً، فلم أعد أراه. لكنّ الرائحة كانت أقوى، وأقرب، وكأنّ مصدرها كان يقتربُ مني. وقفتُ وألصقتُ وجهي بالمرآة، أحاول أن أرى ما وراءها، لكنّي رأيتُ فقط عينَيّ النازعتين بالخوف. في تلك اللحظة، سمعتُ صوتَ طرقٍ خفيفاً من الجهة الأخرى من الزجاج، ثلاث طرقاتٍ منتظمة، وكأنّ أحداً يقول: "أنا هنا."
المسافة التي تتقلّص
في اليوم الثالث، لم أعد أستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو انعكاس. خرجتُ من الغرفة وذهبتُ إلى الاستقبال، فوجدتُ الموظّف الجديد، شابّاً بابتسامةٍ واسعة، يسألني: "كيف حالك مع الغرفة؟" أجبتُ: "الغرفة جيّدة، لكنّ المرآة..." لم أكمل، لأنّ نظرتَه تغيّرت فجأة، وابتسمتُه تشدّدت. "الغرفة لا تحتوي على مرآة، سيدي. الباب والمرآة في الممرّ." عدتُ إلى الممرّ، فوجدتُ بابَ غرفتي مفتوحاً على مصراعيه. دخلتُ، فلم أجد مرآةً على الحائط المقابل، بل ملصقاً إعلانياً عتيقاً لمطعمٍ تقليدي. لكنّ رائحة الطعام كانت أقوى، وكأنّ مصدرها كان في زاوية الغرفة التي لم أكن أراها قبلاً. وقفتُ في تلك الزاوية، وأدرتُ رأسي، فوجدتُ باباً صغيراً، باباً لا يتناسبُ مع حجمِ الجدار، يحملُ رقمًا نحاسيًا: "405".
فتحتُ الباب الصغير، فوجدتُ درجاً ضيّقاً يهبطُ نحوَ ظلامٍ كثيف. تسلّقتُ الدرج، وأصابعي تلمسُ الحائطَ الباردَ المبلّلَ بالرطوبة. في الأسفل، وجدتُ غرفةً مطابقةً تماماً لغرفتي، لكنّ الأثاث كان مختلفاً، وكأنّ شخصاً آخر عاشَ هنا لسنوات. على الكومودينو، وجدتُ مفتاحاً حديدياً يحملُ رقم "405"، لكنّه كان مكسوراً عند منتصفه. أخذتُ المفتاح، وصعدتُ إلى الطابق العلوي، فوجدتُ باب غرفتي الأصلي مغلقاً، وعليه رقمٌ جديد لم أره قبلاً: "406". نظرتُ إلى المرآة في الممر، فلم أعد أرى انعكاسي، بل رأيتُ شخصاً آخر يقفُ أمام بابٍ آخر، يحملُ مفتاحاً مكسوراً، وينظرُ إليّ بعينين متعبتين. ابتسمتُ، ثم أدرتُ ظهري ومشيتُ نحوَ المصعد، بينما كنتُ أسمعُ صوتَ طرقاتٍ خفيفة تتصاعد من خلفِ الباب المغلق، طرقاتٍ تقول: "أنتَ الآن جزءٌ من الجدران."
