الولد اللي اشترى دقيقة من بائع غريب
الولد اللي اشترى دقيقة من بائع غريب
الفصل الثالث: سرّ العشر سنين
من أول ما ياسين قرأ الرسالة، وهو مش قادر يبعد عينه عن الساعة الرملية الجديدة.
كان مكتوب فيها:
"لو عايز تعرف كل الحقيقة... تعالي بكرة للشارع القديم."
وتحتها:
"بس المرة دي، خد كريم معاك."
لكن الجملة اللي علقت في دماغه أكتر من أي حاجة كانت:
"بعد عشر سنين."
بص ياسين للساعة، وقلبها في إيده، وقال لنفسه بحيرة:
"يعني إيه بعد عشر سنين؟ وإيه اللي حصل لي أنا بعد عشر سنين؟"
وفجأة...
سمع طرقًا خفيفًا على باب أوضته.
دق... دق... دق.
رفع ياسين رأسه وسأل:
"مين؟"
جاءه صوت من الناحية التانية للباب:
"أنا."
تجمد ياسين.
كان الصوت...
صوته هو.
فتح الباب بسرعة، لكنه لم يجد أحدًا.
نظر إلى الأرض، فوجد الساعة الرملية الجديدة، وبجوارها ورقة صغيرة لم تكن موجودة قبل لحظات.
التقطها ياسين وفتحها.
كان مكتوبًا:
"بكرة... الساعة خمسة. الشجرة القديمة."
رفع ياسين عينيه وقال:
"هو يقصد البائع."
وبعد لحظات أضاف:
"بس ليه قال لي أخد كريم؟"
في صباح اليوم التالي، وصل ياسين إلى المدرسة قبل كريم.
ظل طول الوقت ينظر إلى الساعة.
وعندما دخل كريم الفصل، جري عليه ياسين وقال:
"كريم، لازم تيجي معايا بعد المدرسة."
بص كريم له باستغراب وسأله:
"في إيه يا عم؟"
أخرج ياسين الورقة ومدها له.
قرأ كريم الكلام، ثم رفع عينيه وقال:
"الشارع القديم؟"
هز ياسين رأسه.
قال كريم:
"والبائع هيكون هناك؟"
رد ياسين:
"مش عارف."
ثم أضاف وهو ينظر إلى الساعة:
"بس المرة دي حاسس إننا هنفهم كل حاجة."
ابتسم كريم وقال:
"خلاص، أنا معاك."
الساعة خمسة بالضبط، وصل الاثنان إلى الشارع القديم.
كانت الشمس بدأت تميل للغروب، والشارع هادي بشكل غريب.
وقف ياسين تحت الشجرة الكبيرة نفسها التي قابل عندها البائع أول مرة.
بص يمينًا وشمالًا، وقال:
"هو فين؟"
رد كريم:
"يمكن مش هييجي."
وقبل ما يكمل كلامه، سمع الاثنان صوتًا هادئًا من خلفهما:
"كنت عارف إنكم هتيجوا."
استدارا.
كان البائع الغريب واقفًا تحت الشجرة.
لكن هذه المرة كان شكله مختلفًا.
لم يكن مبتسمًا.
وكان يحمل في يده ساعة رملية أكبر من كل الساعات التي رأوها من قبل.
اقترب منه ياسين وقال:
"أنا عايز أعرف الحقيقة."
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة وقال:
"الحقيقة كلها؟"
رد ياسين:
"أيوه."
هز الرجل رأسه وقال:
"إذن لازم نبدأ من المكان اللي بدأت فيه الحكاية."
سأله كريم:
"فين؟"
أشار البائع إلى الساعة الرملية وقال:
"في الدقيقة الأولى."
جلس الثلاثة تحت الشجرة.
وضع البائع الساعة أمام ياسين وقال:
"فاكر أول مرة أخدتها؟"
أجاب ياسين:
"كنت متأخر على المدرسة."
ابتسم الرجل وقال:
"صحيح."
ثم أضاف:
"لكن دي مش أول مرة تمسك فيها الساعة."
اتسعت عينا ياسين وقال:
"بس إنت قلتلي قبل كده إني قابلتك زمان."
أجاب البائع:
"لأن ده حصل فعلًا."
سأل ياسين بسرعة:
"طب إمتى؟"
أخرج الرجل صورة قديمة من جيبه.
ناولها لياسين.
بص ياسين للصورة، وفجأة سكت.
كان فيها طفل صغير يقف تحت نفس الشجرة.
وفي إيده...
ساعة رملية.
قال ياسين بصوت منخفض:
"ده أنا."
أومأ البائع وقال:
"أيوه."
اقترب كريم من الصورة وسأل:
"كان عنده كام سنة؟"
أجاب الرجل:
"كان عنده ست سنين."
نظر ياسين إليه بدهشة، وقال:
"أنا مش فاكر أي حاجة."
قال البائع بهدوء:
"لأنك كنت طلبت تنسى."
ظل ياسين صامتًا.
ثم سأل:
"ليه كنت عايز أنسى؟"
تنهد البائع وقال:
"لأنك وقتها كنت قدام أصعب اختيار."
سأله ياسين:
"اختيار إيه؟"
أخرج الرجل ساعة رملية أصغر وقال:
"كنت تقدر تستخدم الدقيقة عشان تغيّر حاجة حصلت."
"إيه الحاجة؟"
توقف الرجل قليلًا، ثم قال:
"كنت شايف صاحبك بيزعل بسبب موقف حصل بينكم."
نظر ياسين إلى كريم.
فهم الاثنان أن المقصود كان كريم.
قال كريم بدهشة:
"يعني إحنا كنا أصحاب من وإحنا صغيرين؟"
ابتسم البائع وقال:
"وأكتر من كده."
سأله ياسين:
"طب أنا عملت إيه؟"
أجاب الرجل:
"كان قدامك اختيارين."
"ترجع الوقت وتخلي الغلطة ما تحصلش..."
ثم رفع إصبعه الثاني.
"أو تسيبها تحصل، وتتعلم منها."
سأل ياسين:
"وأنا اخترت إيه؟"
ابتسم البائع وقال:
"اخترت إنك ما ترجعش الوقت."
نظر ياسين إلى كريم.
ولأول مرة، شعر أن بعض الذكريات القديمة بدأت ترجع.
تذكر يومًا صغيرًا في المدرسة.
تذكر إنه اتخانق مع كريم.
وتذكر إنه اعتذر له بعدها.
قال ياسين:
"أنا فاكر."
ابتسم كريم وقال:
"وأنا كمان."
ضحك البائع وقال:
"وده كان أول درس."
سأله ياسين:
"طب إيه علاقة كل ده بالساعة اللي معايا دلوقتي؟"
أجاب الرجل:
"لأنك النهاردة أكبر في الفهم... حتى لو لسه صغير في السن."
ثم أخذ الساعة التي مع ياسين، وقلبها.
ظهر التاريخ المحفور خلفها:
بعد عشر سنين.
قال ياسين:
"بس ده تاريخ في المستقبل."
رد البائع:
"بالنسبة لي... لأ."
تجمد ياسين.
سأل كريم:
"يعني إيه؟"
لكن البائع أشار إلى الساعة الكبيرة.
وقال:
"أهو السبب."
بدأ الرمل الذهبي بداخلها يتحرك.
ببطء شديد...
ثم أسرع.
وفجأة، ظهر مشهد غريب داخل الزجاج.
كان ياسين يرى نفسه...
لكن أكبر بعشر سنين.
كان واقفًا في نفس الشارع.
وبجواره...
البائع الغريب.
شهق ياسين:
"ده أنا!"
أجاب الرجل:
"أيوه."
ثم ظهر ياسين الكبير وهو يعطي البائع ساعة رملية.
وقال بصوت واضح:
"خلي بالك منه."
اتسعت عينا ياسين.
سأل:
"هو كان بيتكلم عني؟"
أومأ الرجل.
وقال:
"أنت اللي أعطيتني الساعة."
لم يفهم ياسين.
"أنا؟"
ابتسم البائع وقال:
"بعد عشر سنين، هتقابلني مرة تانية."
"وإنت هتديني الساعة دي."
"وبعدين أنا هرجع بيها لأول مرة قابلتك فيها."
سكت ياسين لحظة.
ثم قال:
"يعني..."
وضع يده على رأسه.
"أنا السبب إن الساعة وصلت لي!"
ضحك كريم وقال:
"يعني إنت اشتريت الدقيقة من نفسك؟"
ضحك البائع وقال:
"بالظبط."
ظل ياسين ينظر إلى الساعة غير مصدق.
ثم سأل:
"طب ليه عملت كل ده؟"
أخرج البائع ساعة رملية صغيرة جدًا، ووضعها في يد ياسين.
وقال:
"عشان أعرف إذا كنت هتفضل نفس الشخص."
"الشخص اللي كان عنده فرصة يغير كل حاجة لنفسه..."
ثم ابتسم.
"واختار بدل كده يساعد غيره."
فتح ياسين الساعة.
لم يكن فيها إلا حبة رمل واحدة.
سأل:
"ودي هتعمل إيه؟"
قال البائع:
"مش هترجع بيك للماضي."
"ومش هتوريك المستقبل."
"أمال؟" سأل ياسين.
ابتسم الرجل وقال:
"دي هتفكرك إن كل دقيقة عندك... فرصة تعمل حاجة كويسة."
نظر ياسين إلى الحبة الصغيرة.
وقال:
"يعني مش لازم أرجع الوقت عشان أصلح كل حاجة."
هز الرجل رأسه.
"أحيانًا، أحسن حاجة تعملها..."
ثم نظر إلى كريم.
"...إنك تبدأ من دلوقتي."
اختفى البائع بعدها كما ظهر في المرات السابقة.
بص كريم في كل الاتجاهات وقال:
"هو بيحب الاختفاء ده أوي!"
ضحك ياسين.
ثم نظر إلى الساعة.
وللحظة، لاحظ شيئًا لم يكن موجودًا من قبل.
كان هناك نقش صغير جدًا أسفلها:
"لما تدي الدقيقة لحد محتاجها... هتعرف مين بعدك."
رفع ياسين رأسه وقال:
"مين بعدي؟"
لكن لم يكن هناك أحد ليجيب.
عاد ياسين وكريم إلى البيت وهما يحاولان فهم كل اللي حصل.
وفي الصباح التالي، وأثناء دخولهما المدرسة، سمعا صوت بنت صغيرة تبكي بجوار البوابة.
كانت واقفة وحدها، وتحاول تدور على حقيبتها.
اقترب منها ياسين وسأل بلطف:
"مالك؟"
رفعت الطفلة عينيها وقالت:
"أنا ضيعت شنطتي... ومش عارفة أعمل إيه."
بص ياسين للساعة.
وفجأة...
بدأت حبة الرمل تتحرك.
نظر إلى كريم.
ابتسم كريم وقال:
"واضح إننا لقينا اللي بعدنا."
اقترب ياسين من الطفلة، وقال:
"ماتخافيش... هنلاقيها."
وبينما كانوا بيدوروا مع بعض، لمح ياسين شخصًا واقفًا بعيدًا عند آخر الشارع.
كان يرتدي بدلة رمادية قديمة.
ويحمل شنطة سوداء.
ابتسم الرجل من بعيد...
ثم اختفى.
نظر ياسين إلى الساعة مرة أخيرة.
كانت حبة الرمل قد انتهت.
لكن بدل ما تختفي...
ظهرت حبة جديدة.
وعلى الساعة ظهر نقش لم يكن موجودًا من قبل:
"المغامرة لسه ما خلصتش."
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق