لقد إستيقظ الظل الجزء السادس والأخير

لقد إستيقظ الظل الجزء السادس والأخير

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about لقد إستيقظ الظل الجزء السادس والأخير

 

 

لقد استيقظ الظل

 

    الفصل السادس والأخير:                             الاعتراف

 

لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباح آخر.

امتلأ منزل نجلاء برجال الشرطة وخبراء الأدلة الجنائية.

كان الكوخ مفتوحًا.

وبجواره وقفت سيارة الإسعاف.

أما نجلاء…

فكانت تجلس على كرسي خشبي في الحديقة، تنظر إلى الأرض دون أن تنطق بكلمة.

اقترب منها الضابط.

جلس أمامها.

ووضع ملفًا سميكًا فوق الطاولة.

قال بهدوء:

“انتهى كل شيء.”

لم ترفع رأسها.

فتح الملف.

وأخرج منه عدة صور.

كانت صورًا لعظام مريم التي عُثر عليها داخل الكوخ.

ثم وضع أمامها سلسلة فضية صغيرة.

عرفتها فورًا.

كانت مريم ترتديها دائمًا.

ارتجفت شفتاها.

قال الضابط:

“هبة اعترفت بكل حاجة قبل ما تموت.”

ثم أضاف:

“دلوقتي... دورك.”

ساد الصمت.

لم تحاول نجلاء الإنكار.

لم تعد تملك القوة لذلك.

أغلقت عينيها.

وعادت إلى تلك الليلة.

ليلة المطر.

ليلة الصخرة.

ليلة الطرقات.

همست بصوت مكسور:

“كانت لسه عايشة...”

نظر إليها الضابط.

“كملي.”

انهمرت دموعها.

“لما وصلت الحديقة... كانت بتتنفس.”

ساد الصمت داخل المكان.

حتى رجال الشرطة توقفوا عن الحركة.

قالت وهي تبكي:

“كنت أقدر أنقذها...”

“كنت أقدر آخدها المستشفى...”

اختنق صوتها.

“لكن خوفت على بنتي.”

وضعت يديها على وجهها.

ثم قالت:

“أنا اللي سحبتها للكوخ...”

“وأنا اللي قفلت الباب...”

“وسبتها تموت.”

لم يعد في المكان صوت سوى بكائها.

كتب الضابط اعترافها كاملًا.

ثم أغلق الملف.

وقال بهدوء:

“نجلاء...”

“أنتِ مقبوض عليكِ بتهمة القتل وإخفاء الجثة.”

مد أحد الضباط يديه بالأصفاد.

لم تقاوم.

مدت يديها بنفسها.

وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ سنوات.

 

---

في المساء…

أُودعت نجلاء داخل زنزانة انفرادية.

جلست فوق السرير الحديدي.

كانت الزنزانة باردة.

وصغيرة.

ولا يوجد بها سوى نافذة ضيقة في أعلى الجدار.

لأول مرة منذ سنوات…

شعرت أن العدالة بدأت تأخذ مجراها.

همست لنفسها:

“يمكن... ده عقابي.”

ثم أغمضت عينيها.

 

---

عند الثالثة تمامًا…

استيقظت.

لم يكن هناك سبب واضح.

نظرت إلى ساعة السجن المعلقة في نهاية الممر.

03:00

وفجأة…

طَق.

طرقة واحدة.

رفعت رأسها.

ظنت أن أحد الحراس يمر بالممر.

عاد الصمت.

ثم…

طَق... طَق…

نهضت من فوق السرير.

اقتربت من باب الزنزانة.

نظرت من الفتحة الحديدية.

كان الممر خاليًا.

الحارس يجلس في آخره.

يقرأ جريدة.

كأنه لم يسمع شيئًا.

عادت الطرقة مرة أخرى.

لكن هذه المرة…

من الجهة الأخرى.

من داخل الزنزانة.

التفتت بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

تراجعت حتى التصقت بالحائط.

بدأت أنفاسها تتسارع.

ثم خرج صوت خافت…

من الزاوية المظلمة.

“بردانة...”

توقفت أنفاسها.

كان الصوت ضعيفًا.

ومتعبًا.

كما سمعته قبل سنوات.

ثم جاءه صوت آخر.

“افتحي الباب...”

وضعت يديها على أذنيها.

“لا...”

“أنا اعترفت...”

“أنا اتحبست...”

“خلاص...”

لكن الصوت لم يتوقف.

بل اقترب أكثر.

"أنا كمان…

كنت محبوسة."

انطفأت مصابيح الممر كلها في لحظة واحدة.

تعالت أصوات السجينات في الزنازين المجاورة.

أما نجلاء…

فكانت الوحيدة التي تسمع الطرق.

طَق…

طَق…

طَق…

ثم…

ظهر على الجدار المقابل كلمات سوداء، كأنها كُتبت بالدخان:

“القانون بدأ حسابه...”

اختفت الكلمات ببطء.

ثم ظهرت جملة أخرى.

“أما أنا...”

توقفت لحظة.

ثم اكتملت.

“...فلم أبدأ بعد.”

سقطت نجلاء على ركبتيها.

وأدركت أن الأصفاد…

والجدران…

وقضبان السجن…

لن تحميها من شيء…

لأن هناك بابًا واحدًا فقط…

لم يُفتح في وقته.

 

مرّت الليلة الأولى…

ثم الثانية…

ثم الثالثة.

ولم يعد أحد من الحراس يرغب في المرور بجوار زنزانة نجلاء ليلًا.

لم يكونوا يسمعون ما تسمعه…

لكنهم كانوا يرونها.

كل ليلة، في الثالثة تمامًا، كانت تقف أمام باب الزنزانة، تحدق في الفراغ، وتهمس بصوت مرتجف:

“سامحيني يا مريم... افتحي الباب... المرة دي أنا اللي جواه.”

 

---

بدأت جلسات محاكمتها بعد أسابيع.

امتلأت القاعة بالصحفيين.

أصبحت القضية حديث المدينة.

وقفت نجلاء داخل قفص الاتهام.

لم تحاول الدفاع عن نفسها.

ولم تطلب الرحمة.

وحين سألها القاضي:

“هل تعترفين بما نُسب إليك؟”

أجابت دون تردد:

“أعترف.”

ساد الصمت.

ثم أضافت وهي تنظر إلى الأرض:

“لو رجع بيا الزمن... كنت هفتح الباب.”

كانت تلك آخر جملة قالتها في المحكمة.

 

---

صدر الحكم.

السجن المؤبد.

لم تعترض.

ولم تستأنف.

كأنها كانت تعلم أن الحكم الحقيقي…

لم يصدر بعد.

 

---

في أول ليلة بعد الحكم…

نُقلت إلى سجن آخر أكثر حراسة.

زنزانة جديدة.

باب جديد.

وجدران جديدة.

قالت لنفسها:

“يمكن... خلاص.”

جلست على السرير.

وأغمضت عينيها.

 

---

03:00

استيقظت.

لم تنظر إلى الساعة.

كانت تعرف الوقت.

بدأت الطرقات.

لكن هذه المرة…

لم تكن على باب الزنزانة.

كانت…

داخل قلبها.

شعرت بضيق شديد في صدرها.

ثم سمعت ذلك الصوت الهادئ.

“هل عرفتِ... كيف كان شعوري؟”

أغلقت عينيها.

وانهمرت دموعها.

“و مريم.”

قال الصوت.

“كانت تطرق الباب.”

“ كانت تنتظر.”

 

“و أنت إخترتى الرحيل.”

صرخت نجلاء:

“سامحيني!”

ساد الصمت.

ثم…

لأول مرة…

لم تسمع جوابًا.

 

---

في صباح اليوم التالي…

فتح الحارس باب الزنزانة.

وجد نجلاء جالسة على الأرض.

تسند ظهرها إلى الحائط.

وعيناها مغمضتان.

ظن أنها فارقت الحياة.

اقترب منها.

لكنها فتحت عينيها ببطء.

كانت حية.

إلا أن شيئًا ما انكسر داخلها إلى الأبد.

منذ ذلك اليوم…

لم تعد تتحدث مع أحد.

ولم تطلب زيارة.

ولم تغادر زنزانتها إلا في مواعيد السجن الرسمية.

كانت تقضي ساعات طويلة تحدق في الباب.

كأنها تنتظر أن يُفتح.

أو…

أن يُطرق.

 

---

مرت سنوات.

وأُهمل المنزل القديم.

انهار جزء من سقفه.

وجفّت الأشجار.

أما الكوخ…

فبقي واقفًا.

وحيدًا.

كما لو أن الزمن نسيه.

وفي إحدى ليالي الشتاء…

دخل مجموعة من المراهقين الحديقة المهجورة، يتحدون بعضهم لاستكشاف المكان.

ضحك أحدهم وقال:

“بيقولوا المكان ده مسكون.”

اقترب آخر من باب الكوخ.

ووضع يده على المقبض.

قبل أن يفتحه…

سمعوا جميعًا…

طرقة واحدة.

طَق.

نظروا إلى بعضهم.

ثم ضحكوا.

قال أحدهم:

“أكيد صوت خشب.”

مد يده مرة أخرى.

لكن…

جاءتهم ثلاث طرقات متتالية.

طَق…

طَق…

طَق…

اختفت الضحكات.

وتبادلوا النظرات.

ثم ركضوا خارج الحديقة…

دون أن يلتفت أحدهم إلى الخلف.

 

---

في صباح اليوم التالي…

وصلت البلدية لهدم الكوخ.

لكن رئيس العمال عاد بعد دقائق وقال:

“الكوخ فاضي.”

دخل الجميع.

لم يجدوا شيئًا.

لا صناديق.

ولا أثاثًا قديمًا.

ولا أي أثر لما حدث فيه يومًا.

وكأنه…

لم يكن موجودًا.

صدر قرار بهدمه.

وبدأت الجرافة عملها.

ومع أول ضربة…

انهار الكوخ بالكامل.

وتحول إلى كومة من الخشب والتراب.

تنفس العمال الصعداء.

وانصرفوا.

لكن…

حين غابت آخر سيارة عن المكان…

هبّت ريح باردة.

وتحرك الغبار فوق الأنقاض.

ورُسمت عليه ببطء…

آثار يدٍ صغيرة.

ثم اختفت.

 

---

وفي زنزانتها…

رفعت نجلاء رأسها فجأة.

ابتسمت ابتسامة حزينة.

وأغمضت عينيها.

وللمرة الأولى منذ سنوات…

لم تسمع أي طرقات.

حلّ صمتٌ كامل.

لا تعرف إن كان…

سلامًا.

أم نهاية.

 

---

النهاية

> بعض الأبواب لا يُغلقها الخشب... بل يغلقها الضمير.

وإذا تأخر فتحها... فقد يبقى صداها يطرق القلب إلى الأبد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mariam تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

5

متابعهم

8

مقالات مشابة
-