في هذا المقال
توقفت المحركات فجأة. انطفأت أضواء السيارة مخلّفةً تاركةً إياي في ظلام دامس على جانب طريق زراعي لم أطأه من قبل. كان الضباب كثيفاً، يلتف حول الزجاج كأصابع شاحبة تحاول الاختراق. نظرت إلى شاشة هاتفي؛ لا توجد شبكة، والشحن يلفظ أنفاسه الأخيرة عند واحد بالمائة.
خرجتُ أبحث عن أي علامة للحياة. على بعد خطوات، لمحتُ لافتة خشبية متآكلة كُتب عليها بخط أرعن: "قرية العظام". تقدمتُ باتجاه الشارع الوحيد المؤدي إليها، أملاً في العثور على ورشة أو هاتف أرضي. كانت القرية صامتة بشكل مريب؛ لا صوت لنباح كلاب، ولا حفيف لأوراق الشجر، بل هدوء ثقيل يضغط على الأذنين.
كانت البيوت مبنية من طين داكن، وأبوابها مفتوحة على مصراعيها، تطل منها فجوات سوداء تشبه العيون الميتة. أثناء سيري، بدأت أسمع صوتاً خافتاً... صوت احتكاك معدني منتظم، كأن أحدهم يجر سلاسل على الأرض. تسارعت أنفاسي، ولفتّ وجهي نحو مصدر الصوت.
توقف الصوت تماماً.
على بُعد أمتار قليلة، تحت ضوء قمر باهت، رأيتُ رجلاً يجلس على مصطبة حجريّة. كان يعطيني ظهره، ويرتدي جلباباً متمزقاً. تنفستُ الصعداء وهرولتُ نحوه: “عفواً يا حاج، السيّارة عطلت مني ومش عارف أنا فين...”
لم يرد. اقتقربتُ أكثر ووضعت يدي على كتفه. كان ملمس الكتف بارداً كالجليّد، صلباً كالحجر.
التفت إليّ ببطء شديد.
تجمّد الدم في عروقي. لم يكن له وجه. مكان العينين والأنف والفم، كان هناك سطح أملس من الجلد الشاحب المشدود، وتصدر من تحت هذا الجلد حركات متشنجة، كأن هناك عشرات الحشرات تحاول الخروج من داخله!
تراجعت إلى الخلف وسقطتُ أرضاً. وفي تلك اللحظة، بدأت الأبواب المفتوحة للبيوت تُخرج أصحابها. عشرات القامات الطويلة الشاحبة، جميعهم بلا وجوه، يمشون بهدوء مريب ونحوي بخطوات متناسقة. لم يكونوا يصرخون، بل كان يصدر من أجسادهم صوت حفيف مرعب، كأصوات عظام تحتك ببعضها البعض.
نهضتُ وأنا أصرخ بكل ما أوتيت من قوة، وركضتُ بكل طاقتي نحو الطريق الرئيسي. كان الهواء يزداد ثقلاً، والضباب يلتف حول قدمي كأنه يحاول إعاقبتي. التفتُ خلفي لثانية واحدة، فرأيت تلك الكائنات قد اقتربت مني بشكل غير طبيعي، وكأنها لا تمشي بل تقفز عبر المساحات.
وصلتُ إلى السيارة، ألقيت ببدني داخلها وإغلقت الأبواب بقوة. وضعت يدي على المقود وأنا أرتجف، ثم حركت مفتاح التشغيل بالصدفة... دار المحرك فجأة! أضاءت المصابيح الأمامية، ليكتشف قلبي الفاجعة الكبرى.
كان العشرات منهم يقفون مباشرة أمام مصد السيارة، ملتصقين بالزجاج الأمامي، ووجوههم الملساء تلامس الزجاج. وفجأة، وبدقة متناهية، بدأت وجوههم تُشق من المنتصف لتظهر أسنان حادة وثقوب سوداء عميقة، مع ابتسامة عريضة لا تنتمي لبشر.
ضغطتُ على دواسة البنزين بكل ألم ورعب، واخترقتهم وسط أصوات ارتطام خشبية مرعبة، ولم أتوقف إلا بعد أن بزغ الفجر ووجدت نفسي أمام مركز شرطة في المدينة المجاورة. عندما حكيت للضابط ما حدث، نظر إليّ بأسى وقال: “قرية العظام؟ دي اختفت من أربعين سنة بعد ما أهلها كلهم ماتوا في ليلة واحدة... محدش عارف أجسادهم راحت فين لحد النهاردة.”
تابع جديد محمد عصام
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق