أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
قصص رعب

حارس البئر الملعون

تدور أحداث القصة في قرية نائية حول بئر ملعونة يخرج منها خيط أسود غامض كل ليلة لينسج نفسه حول شجرة توت عجوز. عندما يقرر الشاب "سليم" كشف سرها، يختفي في الأعماق، ليتبع صديقه "فارس" خطاه باحثًا عنه، ويواجه نفس المصير المظلم ليصبحا معًا حارسين أبديين للبئر.

حارس البئر الملعون

حارس البئر المنسوج:image about حارس البئر الملعون

كانت القرية النائية تعيش على إيقاع صامت ومقبض، يتوسطها بئر قديمة محاطة بجدران حجرية سوداء تآكلت بفعل الزمن، ويقال إنها حفرت في ليلة لم يظهر فيها قمر قط. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها بعد غروب الشمس، ليس فقط بسبب الظلام الدامس، بل بسبب "الخيط"؛ خيط رفيع أسود اللون يخرج من قاع البئر المظلم كل ليلة وينسج نفسه ببطء حول جذع شجرة التوت العجوز المجاورة لها.

في تلك الليلة، كان "سليم" الشاب الفضولي قد قرر أن يكسر القاعدة ويكشف سر البئر الملعونة. وقف على حافة الحجر البارد، مسلطًا مصباحه اليدوي نحو الأسفل، فلم يجد سوى انعكاس مرعب لظل وجهه، وكأن البئر لم تكن تحوي ماءً، بل كانت مرآة تعكس ما يدور في كواليس الأرواح المنسية. وفجأة، اهتز الخيط الأسود بعنف، وانطلقت من الأعماق دقات منتظمة تشبه صوت قلب عملاق ينبض ببطء تحت الأرض.

حاول سليم التراجع، لكن قدميه كانتا قد تجمدتا في مكانهما كأنهما غُرستا في الطين الإسمنتي. رأى الخيط الأسود يتحرك بسرعة جنونية، لافّاً نفسه حول كاحليه، وشارعاً في سحبه بحركة بطيئة لا تقاوم نحو الفوهة المظلمة. وفي تلك اللحظة بالضبط، سمع صوتاً هامساً يخرج من قاع البئر يناديه باسمه، بصوت يشبه حفيف الأوراق الميتة وهي تتساقط في مهب الريح. اختفى سليم في الأعماق، وترك وراءه مصباحه متوهجًا على حافة الحجر البارد.

في اليوم التالي، لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل ظل الضباب الرمادي الكثيف مخيمًا على الأفق، يحمل معه رائحة التراب الرطب الممزوج بالصدأ وكأن القرية تحولت إلى مقبرة مفتوحة. كان "فارس"، صديق سليم المقرب، يقف على عتبة بيته الطيني، ينظر بقلق بالغ نحو شجرة التوت العجوز. الخيوط السوداء لم تكن قد توقفت عن النسج؛ بل بدت وكأنها تتنفس، ترتفع وتنخفض في إيقاع بطيء وثابت يتطابق تمامًا مع صوت دقات القلب الغامضة التي كانت لا تزال تُسمع بوضوح من باطن الأرض.

لم يكتفِ فارس بالوقوف متفرجًا، فرغم الرعب الذي كان يجتاح روحه ويجمّد أطرافه، دفعه الفضول القاتل والشعور بالذنب لتخلفه عن مرافقة سليم ليلة أمس للتقدم نحو البئر. وحين اقتربت خطواته الحذرة من حافة الحجر الأسود، لاحظ شيئًا لم يره أحد من قبل؛ انعكاس وجهه في مياه البئر الراكدة لم يكن وجهه أصلًا، بل كان وجه سليم، شاحبًا، وعيناه مغلقتان بخيوط سوداء دقيقة متشابكة كأنها شبكة عنكبوتية حية.

فتح انعكاس سليم فمه داخل الماء، وانبعث الصدى يمزق سكون المكان: "الخيط يكتمل يا فارس.. والعدد يجب أن يكتمل لتعود الحياة". وقبل أن يستوعب فارس معنى الكلمات، تحرك الخيط الأسود المتدلي من شجرة التوت بسرعة البرق، وكأن له إرادة مستقلة ووعيًا شيطانيًا، والتف حول معصمه بقوة حديدية. حاول الصراخ، لكن صوته حبس في حلقه كأن هواء المكان قد تحول إلى صخر صلب.

شعر فارس بقدميه ترتفعان عن الأرض بينما كان الخيط يجره بلا مهلة نحو فوهة البئر المظلمة. وفي تلك اللحظات الأخيرة قبل أن يبتلعه الظلام الدامس، لمعت في ذهنه أسطورة قديمة عن "حارس البئر" وتلك اللعنة التي تفرض عليها أن تختار كل ليلة بوابًا جديدًا من أبناء القرية ليبقى سجينًا في القاع، بينما يصعد القديم ليصبح جزءًا من الشجرة. وحين سقط جسده في الماء البارد، رأى سليم واقفًا إلى جواره في الأعماق، يبتسم بابتسامة خالية من الحياة، وعيناه تشعان بلون أسود بهيم، ليهمس له بصوت واحد مرعب: "أهلاً بك في بيتك الأبدي، لقد أصبحنا حراساً للظلام معًا".

تابع جديد Mammoud Mohmed Zawila

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق