في هذا المقال

الدكتور مراد، المريض رقم 107، مدير المصحة، طبيب نفسي، شبيه
توقفت السيارة السوداء الكبيرة أمام البوابة الحديدية الضخمة لمصحة "وادي الضباب" للأمراض العقلية المعزولة تماماً عن العالم الخارجي. نزل الدكتور مراد، يحمل حقيبته الجلدية ويمشي بخطوات واثقة وثابتة نحو هذا المبنى الحجري العتيق. كان قد تم تعيينه حديثاً من قبل الإدارة العليا للإشراف الكامل على الجناح المعزول، ذلك المكان الغامض والموحش الذي تهمس الشائعات المخيفة بأن أحداً لا يخرج منه حياً أبداً. خلف جدران الصمت الموحشة، كان كل شيء يبدو هادئاً بشكل مريب ومرعب، الممرات كانت واسعة للغاية، ومطلاة كلياً باللون الأبيض البارد الذي يبعث على الكآبة، بينما كانت رائحة المعقمات النفاذة تمتزج برطوبة الجدران القديمة المتآكلة.
استقبله مدير المصحة بوجه شاحب خاوٍ من التعبير، ورافق الطبيب الجديد مباشرة إلى زنزانة المريض الغامض رقم 107. قال المدير بنبرة خافتة وحذرة: "هذا المريض تحديداً لا يتحدث أبداً منذ دخوله إلى هنا قبل عشر سنوات كاملة، إنه يرسم فقط طوال الوقت". عندما فتح الحارس الباب الحديدي الثقيل ودخل مراد إلى الزنزانة الضيقة، وجد رجلاً هزيلاً للغاية، يجلس في زاوية مظلمة، ويمسك بقطعة فحم صغيرة يرسم بها بنهم شديد على الحائط المتسخ. اقترب مراد منه بخطوات هادئة، ونظر بتمعن إلى الرسومات الممتدة على طول الجدار. في تلك اللحظة، شعر بقشعريرة باردة وعنيفة تضرب عموده الفقري؛ إذ كانت الجدران مغطاة بالكامل برسومات دقيقة ومفصلة تصوّر جميع تفاصيل حياة مراد الشخصية والسرية.
رأى مراد نفسه في الرسم وهو يدرس في الجامعة، ورأى لقطة لبيته القديم، وحادث السيارة الأليم الذي تعرض له في طفولته المبكرة. والأكثر رعباً وإثارة للفزع، كانت هناك لوحة مرسومة حديثاً جداً تظهره هو نفسه وهو يدخل عبر بوابة المصحة قبل دقائق معدودة فقط. تراجع مراد إلى الوراء وهو يتنفس بصعوبة بالغة وتسارعت دقات قلبه، ونظر إلى المريض متسائلاً بذهول ورعب: "كيف تعرف كل هذه الأسرار عني؟ من أنت حقاً؟".
التفت المريض إليه ببطء شديد، وكانت عيناه غائرتين ومظلمتين تماماً، بلا أي بياض يذكر. ابتسم ابتسامة عريضة مشوهة ونطق بأولى كلماته بصوت أجش ومرعب يشبه فحيح الأفاعي: "أنت لم تأتِ إلى هنا لتعالجني يا مراد. أنت جئت لتأخذ مكانك الطبيعي الذي ينتظرك منذ زمن". في تلك اللحظة المرعبة، التفت مراد مذعوراً نحو الباب ليجده قد أُغلق تماماً بإحكام من الخارج. وعندما التفت مجدداً إلى الخلف، لم يجد المريض في الزاوية، بل وجد نفسه هو المرسوم على الحائط الحجري وهو يصرخ بيأس خلف قضبان حديدية سميكة. نظر مراد إلى يديه بفزع، فإذا به يرتدي قميص المجانين الأبيض القاسي، وجسده تحول فجأة ليصبح هزيلاً وضعيفاً. لقد ابتلعته جدران الصمت الملعونة للأبد، وأصبح هو المريض رقم 107 الجديد، يقبع في الظلام بانتظار الطبيب القادم أحترس منه.
تسلل الضباب الكثيف من النوافذ المرتفعة ليعانق أرضية الجناح المعزول، بينما كان الدكتور مراد يحدق بذهول في الرسم الأخير على الجدار الحجري؛ كانت تفاصيل وجهه المذعور مرسومة بدقة متناهية بالفحم الأسود، حتى قطرات العرق الباردة على جبينه بدت حية وملموسة. وفي تلك اللحظة التي تجمدت فيها الدماء في عروقه، سمع صرير قفل الباب الحديدي وهو ينغلق من الخارج بضربة قوية هزت أركان الزنزانة، ليعقبها صوت ضحكة خافتة ومألوفة جداً بدأت تصدر من الزاوية المظلمة، ضحكة كانت تطابق نبرة صوته هو تماماً.
هل تفضل دمج هذه الفقرة في منتصف القصة الحالية لزيادة جرعة التشويق، أم ننتقل إلى صياغة نهاية بديلة أكثر غموضاً؟
تابع جديد يوسف أسامه
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق