في هذا المقال
*يوميات طبيب شرعي*
- الليلة الأولى: الجثة التي لم ترحل
أنا الطبيب م .م .ي

لن أذكر اسمي الحقيقي حتى لا تحدث مشاكل. منذ صغري وأنا أعشق الطب الشرعي وأقرأ عن التشريح والعالم الغامض خلف الموت. كنت أظن أنني مستعد لكل شيء حتى جاءت ليلتي الأولى في المشرحة.
*المقدمة: حلمي أصبح كابوسا*
وصلتني أول جثة في حياتي المهنية. سيدة في منتصف الثلاثينات. التقرير الأولي يقول وفاة طبيعية أثناء النوم بجانب زوجها. لا كدمات ظاهرة ولا جروح. زوجها كان يبكي في الخارج ويقول أنها نامت ولم تستيقظ. كل شيء يبدو طبيعيا جدا لدرجة تثير الشك والريبة.
بدأت الفحص الروتيني في غرفة باردة وصامتة. الإضاءة بيضاء قوية والرائحة مألوفة من الكتب. لكن عندما كشفت الغطاء شعرت بقشعريرة غريبة. عيناها كانتا نصف مفتوحتين رغم محاولة إغلاقهما وكأنها تريد أن تقول شيئا لم تستطع قوله في حياتها.
*أول علامة غريبة تظهر في المرآة*
أثناء الفحص لاحظت احمرارا خفيفا جدا حول الأنف والفم لا يراه إلا من يدقق. التقرير قال لا يوجد عنف لكن قلبي قال هناك شيء مخفي. زوجها قال أنها كانت تعاني من ضيق تنفس. حاولت أن أقنع نفسي أن التقرير صحيح وأنني أتوهم بسبب رهبة أول ليلة في العمل.
أنهيت عملي وذهبت لبيتي الصغير الملاصق للمستشفى. كنت مرهقا جدا. دخلت الحمام لأغسل وجهي ورفعت رأسي نحو المرآة. هنا تجمد الدم في عروقي. رأيتها خلفي. نفس السيدة من المشرحة تقف بملابسها البيضاء وتنظر إلي بحزن شديد ثم اختفت في ثانية واحدة.
ظننت أنني أتخيل بسبب التعب. دخلت غرفة النوم وأطفأت النور. سمعت صوت همس خفيف بجانب أذني يقول انظر جيدا. استيقظت مفزوعا وعرقي يتصبب. نفس الحلم تكرر ثلاث مرات في نفس الليلة. في كل مرة كانت تشير الى وجهها وتضع يدها على فمها.
*الصباح وكشف الحقيقة المخفية*
في الصباح ذهبت مسرعا الى المشرحة قبل وصول أي أحد. أعدت فحصها بدقة أكبر وتحت ضوء أقوى وبهدوء شديد. هذه المرة وجدت ما لم أره أمس. ألياف دقيقة جدا من قماش قطني عالقة داخل الأنف. ألياف لا تأتي إلا من وسادة ناعمة وضعت بقوة ولفترة طويلة.
فهمت الرسالة التي كانت تحاول إيصالها لي في المرآة وفي الحلم. لم تكن وفاة طبيعية. كانت جريمة ذكية هادئة جدا حاول الجاني فيها أن يجعلها تبدو كالنوم. اتصلت فورا بالنيابة وبالطبيب الأكبر وشرحت له ما وجدت بكل أدب واحترام للقانون والدولة.
تم استدعاء الزوج للتحقيق مرة أخرى. وعندما واجهوه بالأدلة الجديدة انهار واعترف. قال أنه قام بخنقها أثناء نومها بعد خلاف كبير لأنه أراد أن يبدو الأمر طبيعيا. لم يستطع أن ينكر الألياف التي كانت دليل إدانته الوحيد والقوي أمامه في التحقيق.
*ليلة الشكر الأخيرة والوداع*
في تلك الليلة بعد أن صدر حكم المؤبد عليه نمت لأول مرة بعمق. جاءت لي في الحلم مرة أخيرة لكنها هذه المرة كانت مبتسمة وهادئة. كانت ترتدي فستانا أبيض جميلا وتشير لي بيدها كأنها تشكرني بصدق. ثم مشت بعيدا واختفت ولم أعد أراها في المرآة أو في أحلامي بعد ذلك أبدا.
علمت يومها أن الطب الشرعي ليس مجرد تشريح أجساد. هو الاستماع لمن لم يعد يستطيع الكلام. وأن بعض الأرواح لا ترحل حتى تأخذ حقها بالقانون والعدل.
وهذه كانت أول ليلة لي في المشرحة ولن أنساها طوال حياتي.M.M.Y
تابع جديد Mahamad Younes
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق