In this article
قبل عدة سنوات، اضطررت لاستئجار شقة قديمة تعود لستينيات القرن الماضي. في الأسبوع الأول بدا كل شيء طبيعياً، إلى أن بدأت الليلة الثامنة.
تماماً عند الساعة الثالثة والثلث فجراً، كنت أسمع صوت خطوات حذاء نسائي ذي كعب عالٍ يمشي ببطء شديد في الممر، ويتوقف مباشرة عند باب غرفتي الموارب. في إحدى ليالي الشتاء القارسة، استيقظت على نفس الصوت، وبدل أن يبقى في الممر، رأيت يداً بشرية بيضاء شاحبة للغاية تمتد من الخارج وتدفع باب الغرفة ببطء ودون أي صوت!
قفزت مذعوراً وأغلقت الباب بعنف وأشعلت الأنوار حتى الصباح. في اليوم التالي، أخبرني صاحب العمارة العجوز أن الشقة كانت تسكنها سيدة مسنة توفيت فجأة داخل تلك الغرفة، وكانت معتادة على السهر والمشي في الممر لذات التوقيت من الليل.. ولم تغادر المكان أبداً.
بعد تلك الليلة المرعبة، حاولت جاهداً أن أهديء روعي وأن أقنع نفسي بأن ما حدث لم يكن سوى نوبة هلع أو مهيوسات بصرية نتجت عن قلة النوم والبرد الشديد. لكن الخوف كان قد تسلل إلى عمق روحي، وأصبح كل غروب شمس يحمل معه شعوراً ثقيلاً بالاختناق.
1. التجاهل الذي لم ينجح
أردت أن أختبر نفسي؛ ففي الليلة التالية، تركت باب غرفتي مفتوحاً قليلاً على مصراعيه، ووضعت كشافاً ضوئياً موجهاً نحو الممر المظلم، وقررت أن أبقي عيني مفتوحتين حتى أرى حقيقة ما يحدث.
عند الساعة الثالثة والثلث تماماً.. بدأ الصوت من جديد:
تك.. تك.. تك..
اقتربت الخطوات بثبات، وكانت أبطأ من المرات السابقة، وكأنها تتعمد اختباري. عندما وصلت إلى عتبة الباب، انطفأ كشاف الضوء الذي وضعته فجأة وبشكل غريب، رغم أن بطاريته كانت جديدة كلياً! وفي تلك الظلمة الحالكة، شعرت ببرودة شديدة تسري في الغرفة، واكتسح المكان عبق غريب.. رائحة عطر نسائي قديم جداً، يشبه عطور الخمسينيات، وكأن الزمان قد عاد إلى الوراء عشرات السنين.
2. الهمس الذي حسم القرار
لم تكتفِ الخطوات بالتوقف هذه المرة؛ بل سمعت صوتاً خافتاً، همساً نسائياً ضعيفاً يخرج من عتبة الباب، كأنه ينطق بحروف غير مفهومة أو ربما بكلمة واحدة متكررة: هذا مكاني...
في تلك اللحظة بالذات، انهار جدار الشجاعة الوهمي الذي بنيته. لم أعد أهتم بأي شيء، ولم يعد يهمني كم دفعت مقدماً للإيجار. قفزت من السرير، لم أُشعل النور هذه المرة، بل التقطت معطفي ومفاتيح سيارتي وهاتفي، وفتحت باب الشقة وركضت على الدرج كالجنون، غير مبالٍ ببرودة الطول ولا بالظلام في الخارج.
قضيت بقية تلك الليلة في سيارتي، وأنا أنظر إلى نوافذ الشقة المظلمة من بعيد، منتظراً شروق الشمس بفارغ الصبر.
3. الهروب الأخير
في الصباح الباكر، عدت إلى الشقة مع أحد أصدقائي لجمع أمتعتي وملابسي بسرعة، ورميت مفاتيح الشقة في صندوق البريد الخاص بصاحب العمارة مع رسالة قصيرة أخبرته فيها أنني غادرت ولن أعود.
ومنذ ذلك اليوم، تعلمت شيئاً هاماً جداً: أن هناك أمكنة تحتفظ بذاكرتها الخاصة، طاقات وأرواح قد تبقى متربصة في زوايا الغرف القديمة، غير مبالية بمن يعيش بعدها.. وأن بعض الأماكن من الأفضل ألا نسكنها أبداً، مهما كانت رخيصة أو مغرية.
Keep up with Yasmin Reda
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment