البيت الذى لا ينام
البيت االذى الا ينام
في نهاية شارعٍ قديمٍ مهجور، كان يقف بيت يثير الخوف في نفوس كل من يمر بجواره. لم يقترب منه أحد منذ سنوات، لا إنسان ولا حيوان، وكأن المكان منبوذ من الحياة نفسها.
العجيب أن نوافذه كانت تُضاء كل ليلة بنورٍ خافت، رغم انقطاع الكهرباء عن الحي منذ زمن بعيد.
كان أحمد، فتى في السادسة عشرة من عمره، شغوفًا باكتشاف الغامض والمجهول. طالما سمع تحذيرات الناس عنه، لكن فضوله دفعه إلى تجاهلها.
وفي ليلة شتوية ساكنة، قرر أن يقترب من ذلك البيت، مستعينًا بضوء هاتفه المحمول.
ما إن لمس الباب، حتى انفتح ببطءٍ مريب، ودخل أحمد بخطوات مترددة. وفجأة، أُغلق الباب خلفه من تلقاء نفسه. كان الهواء في الداخل ثقيلًا خانقًا، تفوح منه رائحة العتق والرطوبة. وعلى الجدران، علّقت صور قديمة لأشخاص بملامح شاحبة وعيون مظلمة، جميعهم ينظرون بنظرة واحدة ثابتة، وكأنهم يراقبون كل حركة.

تقدّم أحمد في الممر الطويل، وقلبه يخفق بشدة. سمع همسًا خافتًا يتردد في أرجاء المكان، دون أن يحدد مصدره:
“أخيرًا… استيقظ أحدهم.”
شعر بقشعريرة تسري في جسده، وحاول تجاهل الصوت. لاح في نهاية الممر باب مفتوح ينبعث منه ضوء أبيض غريب، فتوجه نحوه. دخل الغرفة فوجدها مرتبة بشكل غير متوقع، وعلى السرير دفتر قديم. فتحه، فقرأ عبارة مكتوبة بخط مرتجف:
“من يدخل هذا البيت، يجب أن يبقى مستيقظًا. النوم هنا… اختفاء.”
لم تمضِ لحظات حتى شعر بإرهاق شديد يسيطر عليه. ثقلت جفونه، وبات جسده عاجزًا عن المقاومة. نظر إلى ساعة معلقة على الجدار، فلاحظ أن عقاربها تتحرك إلى الخلف، وكأن الزمن نفسه يرفض المضي قدمًا.
عاد الهمس، هذه المرة أقرب وأكثر إلحاحًا:
“نم… لقد نام الجميع.”
حاول أحمد الهرب، لكن الممر بدا أطول من ذي قبل، والصور على الجدران بدأت تتغير. في إحداها، رأى وجهه هو، بعينين مظلمتين ونظرة جامدة خالية من الحياة. صرخ مذعورًا، وفي تلك اللحظة اخترق المكان صوت الأذان، قويًا وواضحًا.
اهتز البيت بعنف، وتساقطت الصور، وانطفأ النور فجأة.
استفاق أحمد ليجد نفسه ملقى أمام البيت، والباب مغلق بإحكام. كان الشارع خاليًا، والشمس تشرق معلنة الصباح. عاد إلى منزله وهو يقنع نفسه بأن ما جرى لم يكن سوى حلمٍ عابر.
لكن مع حلول الليل، وبينما كان مستلقيًا على سريره، سمع همسًا بجوار أذنه يقول بهدوء مخيف:
“لقد بقيت مستيقظًا هناك… لكن البيت لم يخرج منك.” حاول أحمد أن يقنع نفسه أن الأمر سينتهي مع الوقت، لكن الهمس لم يختفِ. كان يأتيه كلما ساد الصمت، يذكّره بأن البيت لا يحتاج جدرانًا ليعود، بل يكفي أن يتذكرك…
حينها فقط، يبدأ السهر من جديد ومع مرور الأيام، أدرك أحمد الحقيقة التي حاول الهرب منها طويلًا: البيت لم يكن مكانًا، بل حالة. منذ دخوله، لم يعرف النوم الحقيقي. كل ليلة كان يسهر قسرًا، يخشى أن تغفو عيناه، لأنه كلما اقترب من النوم، عاد الهمس ذاته يذكّره بهدوء قاتل:
“من يستيقظ هناك… لا ينام هنا.”