ظلال العشر ثواني: عندما أصبح انعكاس آدم يسبق خطواته ويكتب على الزجاج كلمة واحدة
ظلال العشر ثواني: عندما أصبح انعكاس آدم يسبق خطواته ويكتب على الزجاج كلمة واحدة

انغلق باب الحمام خلف آدم، لكنه لم يشعر بالأمان. كان يرتجف، ليس من البرد، بل من ذلك النوع من الرعب الوجودي الذي يخبرك أن قوانين الفيزياء التي عشت بها طوال حياتك قد تعطلت.
عاد إلى غرفة المكتب، حيث كانت الشاشات لا تزال تنبض بالضوء الأزرق، وكأنها كيانات حية تنتظر عودته.
"أليكسا، أطفئي كل الأضواء.. ما عدا شاشات المكتب،" همس آدم.
ساد الظلام في بقية الشقة، وبقي هو في دائرته الضوئية الصغيرة، يشعر وكأنه محاصر فوق جزيرة وسط محيط من الحبر الأسود.
جلس أمام لوحة المفاتيح. أصابعه، التي كانت دائماً رشيقة وسريعة، كانت الآن تتخبط فوق الأزرار. فتح محطة الأوامر (Terminal) وبدأ في سحب سجلات النظام (Logs) لكل الأجهزة الذكية في المنزل.
كمهندس برمجيات، كان يؤمن أن كل شيء له "كود"، وإذا كان هناك خلل في الواقع، فلا بد أن يترك أثراً رقمياً.
"مستحيل..." تمتم وهو يحدق في شجرة الملفات.
في قلب نظام تشغيل الشقة، بين ملفات الإضاءة والتحكم في الحرارة، وجد مجلداً لم يره من قبل. كان اسمه يتكون من رموز غريبة، تتوسطها كلمة واضحة: Delay_Sync.
قام بفتح المجلد. لم يجد ملفات إعدادات عادية، بل وجد سطوراً من الكود مكتوبة بلغة برمجة لم يتعرف عليها؛ كانت مزيجاً من لغة C++ ورموزاً تشبه المخططات الهندسية القديمة.
بدأ يقرأ الأسطر البرمجية بصوت خافت: If (Reflection_Latency == 0) { Execute_Substituion(); } (إذا كان تأخير الانعكاس يساوي صفراً.. نفذ عملية الاستبدال).
شعر آدم بقطرة عرق باردة تنزلق على ظهره. “عملية استبدال؟ ماذا يعني هذا؟”
حاول كتابة أمر لحذف المجلد فوراً: sudo rm -rf /Delay_Sync. ضغط على زر Enter بقوة.
لم يُحذف الملف. بدلاً من ذلك، انبثقت نافذة منبثقة في منتصف الشاشة الرئيسية.
كانت سوداء بالكامل، وفي وسطها عداد مئوي باللون الأخضر الفسفوري، يزحف ببطء شديد: [الجاري التحميل: 10%...]
في تلك اللحظة، ساد صمت مطبق، ثم انطلق صوت من مكبرات الصوت الموزعة في زوايا الغرفة.
لم تكن موسيقى، ولم يكن تنبيهاً. كان صوت شهيق وزفير ثقيل.. منتظم.. ومألوف بشكل مرعب.
توقف آدم عن التنفس تماماً ليسمع جيداً. الصوت كان يطابق إيقاع تنفسه هو، لكنه كان يأتي متأخراً بضع ثوانٍ.
عندما حبس آدم أنفاسه، استمرت المكبرات في بث صوت التنفس لمدة عشر ثوانٍ إضافية قبل أن تتوقف فجأة.
نظر آدم إلى شاشة اللابتوب، فرأى انعكاس وجهه على الزجاج الأسود. هذه المرة، لم يكن الانعكاس ينظر إليه؛ كان الانعكاس يحدق في العداد الأخضر على الشاشة، وكأنه ينتظر بصبر وصوله إلى 100%.
فجأة، بدأت لوحة المفاتيح تحت يديه تكتب من تلقاء نفسها، حرفاً بحرف: "أ-ن-ا.. أ-ت-ع-ل-م.. ك-ي-ف.. أ-ك-و-ن.. أ-ن-ت".
استيقظ آدم في اليوم التالي وصداع حاد يمزق رأسه. حاول إقناع نفسه بأن ما حدث بالأمس كان مجرد "هجوم سيبراني" متطور أو تلاعب بصري ناتج عن الإرهاق.
قرر أن يتجاهل المكتب، ويتجاهل الشاشات، ويحاول ممارسة يومه بشكل طبيعي.
في المساء، كان الجوع قد نال منه. توجه إلى المطبخ المفتوح على الصالة، حيث تطل شرفة زجاجية ضخمة على أضواء المدينة من الطابق الأربعين.
كانت السماء تمطر، وقطرات الماء تنساب على الزجاج الخارجي، محولةً الشرفة إلى مرآة سوداء عملاقة تعكس كل ما يحدث داخل الشقة.
جلس آدم على الطاولة، واضعاً طبقاً من المعكرونة أمامه. كان يحاول تجنب النظر إلى الشرفة، لكن زاوية رؤيته كانت تجبره على رؤية "آدم الآخر" الجالس في الانعكاس.
بدأ آدم بالأكل. الانعكاس كان يتبعه بدقة هذه المرة، وبدا أن الفجوة الزمنية استقرت عند ثانية واحدة فقط. رفع آدم الشوكة، رفع الانعكاس الشوكة. مسح آدم فمه، مسح الانعكاس فمه.
فجأة، توقف آدم عن الحركة تماماً ليختبره. لكن هذه المرة، الانعكاس لم يتوقف.
بينما كان آدم الحقيقي جالساً ويداه على الطاولة، رأى في زجاج الشرفة نسخته وهي تضع الشوكة ببطء، ثم تنهض من الكرسي.
تجمد الدم في عروق آدم؛ كان جسده الحقيقي لا يزال جالساً، لكن في الانعكاس، كان الكرسي فارغاً والنسخة تقف الآن أمام الزجاج من "الداخل".
اقتربت النسخة من سطح الزجاج حتى التصق وجهها به. كانت الملامح هي ملامح آدم تماماً، لكن العينين كانتا فارغتين من أي تعبير بشري. ب
بطء شديد، رفعت النسخة يدها، وبدأت في خدش الزجاج بأظافرها.
في البداية، كان الصوت خافتاً، مجرد صرير زجاجي مزعج. ولكن فجأة، سمع آدم صوت "خراااااش" حاداً ومدوياً، ليس من جهة الانعكاس، بل من جهة آدم نفسه.
نظر آدم برعب إلى موضع يد النسخة على الزجاج. بدأت تظهر خدوش بيضاء عميقة على سطح الشرفة من جهة الصالة، وكأن أظافر غير مرئية تمزق الزجاج أمام عينيه.
تراجع آدم بكرسيه الذي سقط على الأرض بقوة. الخدوش كانت تزداد عمقاً وطولاً، وبدأت تتشكل لتكتب شيئاً ما على الزجاج.
لم تكن مجرد خربشات عشوائية؛ كانت الكلمات تُحفر من الداخل إلى الخارج.
نظر آدم إلى الكلمة المحفورة على الزجاج أمام وجهه مباشرة، صرخ برعب عندما قرأها: "د-و-ر-ي" (دوري)، وفي تلك اللحظة، انطفأت أنوار الشقة بالكامل، وسمع صوت تحطم زجاج الشرفة، لكن الهواء البارد لم يدخل.. الصوت كان يأتي من "داخل" المرآة.