آخر طرقة رعب
لم يكن من المفترض أن يسمع الطرقة الرابعة.
ثلاث طرقات فقط، هذا ما أخبره به صاحب العمارة قبل أن يسلّمه المفتاح: «إن سمعتَ طرقًا بعد منتصف الليل، فلا تفتح. مهما حدث.» ضحك وقتها، فالنصائح الغامضة تُقال دائمًا عن البيوت الرخيصة.
في ليلته الأولى، عند الثانية تمامًا، سُمعت الطرقة الأولى. خفيفة… مترددة. تجاهلها.
الثانية جاءت أقوى، كأن يدًا تعرف مكانها جيدًا.
الثالثة كانت بطيئة، متعمّدة، ثم ساد صمت طويل جعل قلبه يقرع أضلاعه.
أمسك هاتفه. لا شبكة.
ثم جاءت الرابعة.
لم تكن على الباب، بل من داخل الشقة.
تجمّد في مكانه. الصوت صدر من خلفه، من باب غرفة النوم الذي كان مغلقًا بإحكام. اقترب بخطوات قصيرة، وكل خطوة بدت له كأنها خيانة لنفسه. حين مدّ يده إلى المقبض، شعر بالبرودة، برودة معدنٍ لم تمسه حرارة جسد بشري منذ زمن.
فتح الباب.
الغرفة كانت كما تركها… إلا المرآة. لم تعكسه. أظهرت ممرًا طويلًا بلا نهاية، وعلى جانبيه أبواب كثيرة، كل باب يحمل رقمًا.
من خلفه، سُمع همس قريب من أذنه:
«أنت تأخرت. الدور الآن لك.»
أغلق عينيه، لكن الطرقة الخامسة جاءت من صدره هذه المرة.
في الصباح، وُجدت الشقة فارغة. المرآة محطّمة. وعلى باب الشقة الخارجي، كُتب بالأسود رقم جديد.
الفصل الثاني: ما بعد الصمت
لم تكن الشقة فارغة حقًا.
عاد الصوت قبل الفجر، لكن دون طرق. كان حفيفًا خافتًا يشبه احتكاك أظافر بجدار، يدور في أرجاء المكان كأن شيئًا يتحسس حدوده الجديدة. الهواء صار أثقل، ورائحة الرطوبة امتزجت برائحة صدأ قديم.
على باب الشقة، ظل الرقم 1 كما هو، لكنه بدا أعمق، محفورًا لا مكتوبًا. حاول البطل مسحه بقطعة قماش، لكن اللون الأسود لم يتحرك، بل سال قليلًا كأنه لم يجف بعد.
داخل المرآة المكسورة، لم يعد يرى الممر… بل بابًا واحدًا فقط. بابه.
سمع همسًا هذه المرة من الجهة الأخرى:
«العدّ يبدأ من جديد… لكنك تعرف القاعدة الآن.»
عندها فقط أدرك الحقيقة المتأخرة:
الطرقات لم تكن طلبًا للدخول.
كانت إعلانًا بأن الدور قد انتقل.
وفي اللحظة التي وضع فيها أذنه على الباب ليستمع، جاءت الطرقة الأولى.
من الخارج.
الفصل الثالث: الدور
لم يفتح الباب.
وقف ملاصقًا له، يشعر باهتزازه الخفيف مع كل نَفَسٍ يصدر من الجهة الأخرى. الطرقة الأولى كانت حذرة، كأن اليد تختبر المادة الفاصلة بين عالمين. تراجع خطوة، ثم ثانية، لكن الشقة ضاقت فجأة، كأن الجدران اقتربت لتمنعه من الهرب.
جاءت الطرقة الثانية أقوى. اهتز المقبض. انطفأ المصباح وحده، وغرقت الشقة في عتمة لا يبددها ضوء الشارع. في الظلام، سمع صوتًا يشبه صوته تمامًا يهمس:
«أنت تعرفني… أنا كنت هنا قبلك.»
المرآة المكسورة أصدرت طنينًا خافتًا. شظاياها بدأت تعكس مشاهد سريعة: أبواب تُفتح، وجوه لا تُرى، وأرقام تُكتب ثم تُمحى. رأى الرقم 1 يتحول إلى 0.
الطرقة الثالثة لم تأتِ من الباب.
أتت من صدره.
تجمّد الدم في عروقه حين فهم المعنى الكامل للقاعدة. لم يكن المطلوب ألّا يفتح الباب… بل أن يبقى حيًّا حتى نهاية العدّ. سقط على الأرض وهو يلهث، وشعر بشيءٍ ينسحب منه ببطء، كأن الخوف نفسه صار يدًا تمسك بقلبه.
ساد صمت تام.
بعد دقائق، عاد الضوء. الباب اختفى، وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا. على الجدار المقابل، كُتب رقم جديد، بخط مرتعش:
2
وفي الخارج، في ممر العمارة، وقف شخصٌ آخر يحدّق في بابه، وهو يسمع الطرقة الأولى.
