سلسلة "همسات الظلام"
همسات الظلام – الجزء الأول: الهمسة الأولى
لم يكن أحمد يخاف الظلام، أو هكذا أقنع نفسه طوال حياته.
الظلام بالنسبة له كان مجرد غياب للنور… لا أكثر.
لكن تلك الليلة علّمته أن للظلام وجودًا.
انقطعت الكهرباء في الثانية بعد منتصف الليل.
سكون مفاجئ ابتلع الشقة، حتى صوت الساعة الحائطية توقف، وكأن الزمن نفسه قرر أن يحبس أنفاسه. تمدد أحمد على سريره، محدقًا في السقف الأسود، محاولًا تجاهل الثقل الغريب الذي جثم على صدره.
ثم سمعها.همسة خافتة… قريبة جدًا. «عبد الرحمن…»
تجمد الدم في عروقه.
لم يكن الصوت مرتفعًا، بل كان واثقًا… كأنه يعرفه منذ زمن طويل. جلس ببطء، قلبه يخفق بعنف، وعيناه تجولان في الظلام. لا شيء. الجدران ثابتة، الباب مغلق، والهواء ساكن.
تمتم ساخرًا:
– مجرد خيال.
استلقى مرة أخرى، وأدار ظهره للغرفة.
«لا تنم.»
جاءت الهمسة أوضح، أبطأ، أقرب إلى أذنه. حاول الصراخ، لكن صوته خانَه. حاول التحرك، فجسده رفض الاستجابة، كأن الظلام أمسك به من الداخل.
انزلقت عيناه نحو المرآة المقابلة للسرير.
انعكس وجهه… لكن الانعكاس لم يرمش.
ثم ابتسم
ابتسامة لم تكن ابتسامته.
«أنت تسمعنا الآن، أليس كذلك؟»
قالها الانعكاس، بينما بدأت المرآة تظلم، تتحول إلى سواد عميق بلا نهاية.
شعر أحمد بشيء ينسحب من صدره، كأن جزءًا منه يُسحب ببطء إلى الداخل.
آخر ما سمعه كان همسات متعددة، متداخلة:
«مرحبًا بك… في الظلام.»
في الصباح، وُجد السرير مرتبًا… بلا أثر لأحمد.
أما المرآة، فكانت نظيفة تمامًا، تعكس الغرفة بهدوء.
لكن لو اقتربتَ أكثر…
ستسمع همسة خافتة تنادي باسمك

همسات الظلام – الجزء الثاني: انعكاس لا يرحل لم تحب سلمى المرآة منذ اليوم الأول في الشقة.
كانت قديمة أكثر من اللازم، بإطار خشبي متشقق، وزجاج لا يعكس الضوء كما ينبغي. المالك قال ببساطة: “كانت هنا من زمان.”
ولم تسأل أكثر. في الليلة الثالثة، انقطعت الكهرباء.
وقفت سلمى أمام المرآة، تحمل هاتفها كمصدر ضوء وحيد. انعكس وجهها شاحبًا، وعيناها متعبتان. زفرت بضيق وهمّت بالابتعاد…
لكن انعكاسها لم يفعل ظل واقفًا. رفعت يدها ببطء… الانعكاس لم يرفع يده.همست، نصف ضاحكة:–؟ أحمد
لماذا نطقت الاسم؟ لم تعرف. لكن المرآة أظلمت فجأة، وظهر خلف الانعكاس ظل رجل.
وجهه غير واضح… لكن صوته كان مألوفًا. «ماشي يا سلمى؟» رتدت للخلف، قلبها يخفق.
الصوت خرج من المرآة… لكنه نطق اسمها بنفس الطريقة التي ينطقها أحمد. أخوها، الذي اختفى منذ أسبوع دون أثر.
اقتربت رغم الخوف، كأن شيئًا ما يجذبها.
مدّت يدها نحو الزجاج… فشعرت ببرودة غريبة، كأنها تلمس ماءً راكدًا.
«ارجعي.»
جاء الصوت هذه المرة ضعيفًا، متكسّرًا. ثم همسات أخرى، كثيرة، متداخلة، تكرر:
«المرآة لا تُعيد من دخلها.»
انشق الزجاج ببطء… لا صوت كسر، فقط فتحة سوداء تتسع. رأت سلمى وجه أحمد للحظة، شاحبًا، عيناه فارغتان، وفمه يتحرك دون صوت.
صرخت…
وانطفأ الهاتف.
في الصباح، وجد الجيران الشقة مفتوحة. المرآة مكسورة، لكن بلا شظايا. وسلمى… لم تختفِ. كانت جالسة أمام المرآة، تحدق فيها، لا ترمش. وعندما ناداها أحدهم…
ابتسم انعكاسها فقط.
لو لسه سامع الهمسة… الجزء الجاي هيقرب أكتر.
