وكان الحب وعد
وكان الحب وعد

من أول يوم، كانوا حاسين إن في حاجة بينهم مش شبه أي حاجة عدّت.
هو كان قليل الكلام، بس لما يتكلم كلامه يدخل القلب على طول. وهي كانت بتضحك من قلبها، الضحكة اللي تريح اللي قدامها من غير ما تحس. ماكانوش بيمثلوا، ولا بيحاولوا يعجبوا بعض… كانوا على طبيعتهم، وده كان كفاية.
كانوا يقعدوا بالساعات يتكلموا عن كل حاجة ولا حاجة. عن طفولتهم، عن أحلامهم الصغيرة، عن خوفهم من الفقد. وهو كان دايمًا يسمعها للنهاية، حتى لما تعيط، حتى لما تسكت فجأة. وهي كانت أول واحدة تحس بتعبه من صوته، حتى لو قال إنه تمام.
الحب كبر بهدوء…
كبر من رسالة “طمنيني عليكي”، من مكالمة متأخرة بس عشان يسمع صوتها، من وجوده جنبها من غير ضغط ولا شروط.
لما قرر يتقدم لها، كان متوتر أكتر منها.
دخل بيتهم، قلبه بيدق جامد، بس عينه ثابتة. قال لأهلها:
“أنا جاي أخد بنتكم على قد قلبي… وهحافظ عليها طول عمري.”
ما قالش كلام كتير، بس صدقه كان باين في صوته.
سنة الخطوبة كانت مليانة تفاصيل.
كانوا بيخرجوا يشوفوا بيوت، يمسكوا إيد بعض ويتخيلوا حياتهم جوه. يختلفوا على لون الحيطة، بس يتفقوا إن الأهم إنهم يكونوا سوا.
كان في أيام تعب، قلق، خوف من المستقبل… بس دايمًا كانوا يرجعوا لبعض.
كانت أوقات تحس إنه مش فاهمها، وأوقات يحس إنها زعلانة من غير سبب، بس عمرهم ما ناموا وهم زعلانين. دايمًا في كلمة:
“تعالي نتكلم.”
يوم الفرح كان مشهد ما يتنسيش.
وهي ماشية ناحيته، الدنيا كلها كانت ساكتة بالنسبة له. شاف فيها زوجته، شريكته، وأم ولاده قبل ما تبقى أم.
مسك إيدها، وإيده كانت بتترعش، مش خوف… رهبة من اللحظة.
بعد الجواز، الحياة بانت على حقيقتها.
في تعب، في مسؤولية، في أيام تقيلة.
بس في حب بيظهر في تفاصيل صغيرة:
هو يحضر لها الأكل وهي تعبانة،
هي تستناه تصحى عشان تاكل معاه،
ضحكة فجأة في نص خناقة.
بعد شهر، كانت حاسة بتعب مختلف.
دوخة، نعاس، قلبها مش مطمّن.
عملت التحليل وهي بتقول لنفسها: “أكيد لأ…”
بس لما شافت النتيجة، الدنيا وقفت.
قعدت شوية تبص لنفسها في المراية، إيديها على بطنها، بتعيط وتضحك في نفس الوقت. خرجت له، كانت عايزة تقول، بس الصوت خانها.
شاف وشها، قام وقف قدامها فورًا.
قالها بهدوء:
“مالك؟”
مدّت له التحليل.
قرأ… سكت… وبعدين عينيه دمعت.
شدّها في حضنه وقال:
“أنا عمري ما حسّيت بالفرحة دي… إحنا بقينا تلاتة.”
من اليوم ده، اتغيّر.
بقى أحن، أهدى، أخوف.
يمشي جنبها وهو ماسك إيديها كأنها كنز. يكلم الجنين قبل ما ينام، يحكيله عن أم جميلة وقلبها طيب.
وهي كانت كل يوم تحبّه أكتر.
تشوفه وهو قلقان عليها، وهو فرحان بأصغر حركة في بطنها، تحس إن اختيارها كان صح.
كان الحب وعد…
والوعد اتحقق.
حب اتحوّل لبيت،
وبيت اتحوّل لعيلة،
وعيلة اتبنت على قلبين صادقين.
مع بداية الشهور الأولى، الفرحة كانت كبيرة… بس الخوف كان أكبر شوية.
هي كانت بتصحى من النوم تعبانة، نفسيتها بتطلع وتنزل، ودموعها قريبة من غير سبب واضح. ساعات كانت تحس بالذنب، ليه مش مبسوطة طول الوقت؟
وهو كان دايمًا جنبها، حتى وهو مش فاهم كل اللي بيحصل.
كان يقولها:
“إنتِ قوية… بس مش مطلوب منك تبقي قوية طول الوقت.”
والكلمة دي كانت بتهدّها أكتر من أي دوا.
كان يروح معاها لكل كشف، يقعد مستني برّه وهو ماسك الموبايل ويفتح صور الأطفال، أول ما تخرج يبص في عينيها يسأل:
“طمنيني… كويس؟”
ولو قالت “تعبانة شوية”، كان يبتسم ويقول:
“إحنا سوا.”
كبر بطنها، وكبر معاها إحساسه بالمسؤولية.
بقى يحط إيده عليها كل ليلة، يحس بالحركة الصغيرة، ويضحك كأنه طفل.
“حاسس؟ ده بيرد عليّا.”
في شهور التعب، كانت ساعات تنهار.
تعيط وتقول:
“أنا تعبانة… وخايفة… ومش عارفة أعمل إيه.”
وهو عمره ما قال لها “اهدي”
كان بس يقعد جنبها، يحضنها، ويستنى العياط يخلص، وبعدين يقول:
“إنتِ مش لوحدك.”
قرب ميعاد الولادة، التوتر زاد.
البيت بقى جاهز، الهدوم الصغيرة متعلقة، السرير الصغير في الركن… بس قلبهم هو اللي ماكانش جاهز.
كانوا بالليل يقعدوا يتكلموا:
– “فاكر أول مرة اتقابلنا؟”
– “فاكر وعدنا بعض بإيه؟”
وفي ليلة هادية، الألم بدأ.
هي صحّت فجأة، مسكت إيده وقالت بصوت متقطع:
“أعتقد… الوقت جه.”
في المستشفى، الوقت كان بيمشي ببطء قاتل.
هو واقف برّه، إيده بتترعش، قلبه بيدعي بكل اللي يعرفه.
ولأول مرة يحس بالعجز… بس الإيمان كان ماليه.
وفجأة…
صوت بكاء صغير كسر الصمت.
الدكتور طلع مبتسم وقال:
“مبروك… الاتنين بخير.”
في اللحظة دي، كل التعب، كل الخوف، كل الانتظار… اختفى.
دخل شافها نايمة، تعبانة، بس عينيها منورة.
قرب منها، مسك إيدها وقال بصوت مكسور:
“إنتِ بطلة.”
ولما شال الطفل لأول مرة، حس إن قلبه اتولد من جديد.
روح صغيرة، دافية، جاية من حب صادق.
هي بصّت لهم، ودموعها نزلت وقالت:
“إحنا عملناها…”
رد عليها وهو بيبتسم:
“الحب عملها.”
ومن اليوم ده، ما بقوش اتنين بس.
بقوا حكاية.
بيت مليان ضحك، وسهر، وتعب حلو.
حب اتحطّ في اختبار، ونجح.
وكان الحب وعد…
والوعد اتحوّل لحياة.