متجر بيع الذكرايات

متجر بيع الذكرايات

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

المشهد الأول: الصفقة

في زاوية مظلمة من مدينة "نيو-كايرو" عام 2050، حيث تضيء أضواء النيون البنفسجية الشوارع المبللة بالمطر الحمضي، وقفت "ليلى" أمام لافتة قديمة مهترئة كُتب عليها: "مؤسسة النسيان.. نشتري ما يؤلمك". دفعت الباب الزجاجي الثقيل. صوت الجرس القديم كسر صمت المكان. خلف الطاولة، جلس رجل عجوز يرتدي نظارات بعدسات مكبرة، وحوله مئات الزجاجات الصغيرة المتوهجة بألوان مختلفة.

قالت ليلى بصوت مرتجف: "أريد بيع ذكرى.. ذكرى محددة." نظر العجوز ببرود: "نحن لا نشتري التفاهات يا آنسة. نشتري المشاعر الخام. ما نوعها؟"

"حب.. حبي الأول. وآخري. أريد اقتلاع كل لحظة، كل لمسة، وصوت انفصالنا الذي يتردد في رأسي كالجحيم."

"الحب الخام.. سعره مرتفع جداً في السوق السوداء هذه الأيام. لكن، هل قرأتِ الشروط الدقيقة؟" لوحت ليلى بيدها بملل: "لا يهمني. فقط خذ الألم وأعطني المال."

وضع العجوز جهازاً يشبه الخوذة المعدنية على رأسها. شعرت بوخزة باردة في مؤخرة رأسها، ثم رأت شريط حياتها يمر أمام عينها.. المطر، المقهى، عيون "آدم"، وصوته وهو يقول "انتهينا". سحب العجوز خيطاً فضياً لامعاً من الخوذة، ووضعه داخل زجاجة. تحول الخيط إلى سائل وردي متوهج ولكنه مشوب بالسواد. قال العجوز وهو يسلمها رزمة من العملات الرقمية: "تمت الصفقة. تذكري، المباع لا يُسترد."

 

المشهد الثاني: الفراغ البارد

مرت ستة أشهر. أصبحت ليلى ثرية. اشترت شقة فاخرة وسيارة طائرة. لم تعد تتذكر اسم "آدم" ولا ملامحه. كان مجرد ضباب في عقلها. لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث. تعرفت ليلى على "كريم"، مهندس وسيم وناجح، أحبها بصدق. في ليلة رومانسية، ركع كريم على ركبته وقدم لها خاتماً، قائلاً بدموع في عينيه: "أنا أحبك يا ليلى.. هل تقبلين بي؟"

انتظرت ليلى أن يقفز قلبها. انتظرت الرعشة، الحرارة، التوتر.. أي شيء. لكنها لم تشعر بشيء. كانت تنظر إليه كما تنظر إلى كرسي أو طاولة. حاولت استحضار شعور الحب، لكنها وجدت فجوة سوداء في صدرها. عقلها يفهم كلمة "حب"، لكن قلبها فقد "الشفرة" الخاصة بتشغيل هذا الشعور. أدركت الحقيقة المرعبة: هي لم تبع "ذكرى آدم" فقط. هي باعت "النموذج الأصلي" للحب في عقلها. باعت قدرتها البيولوجية والنفسية على الوقوع في الحب مرة أخرى. لقد تحولت إلى روبوت بيولوجي.

 

المشهد الثالث: العودة

ركضت ليلى مثل المجنونة تحت المطر عائدة إلى المتجر. اقتحمت الباب وهي تلهث.

"أعدها لي! خذ المال، خذ الضعف.. أعد لي قدرتي على الحب!" صرخت وهي تضرب الطاولة. نظر العجوز إليها بشفقة مصطنعة وفتح سجله الضخم: "رقم العملية 409.. ذكرى حب أول مع ألم الفقد.. هممم."

توقف إصبعه على السطر ورفع عينيه إليها: "يؤسفني إخبارك بهذا يا بنيتي.. لكن الزجاجة لم تعد في المخزن."

"ماذا تعني؟ هل كسرتها؟"

"لا.. لقد بِيعت. جاء زبون بعدك بأسبوع وكان يبحث عن (حب صادق ومؤلم) ليستلهم منه في عمله الفني، أو ربما ليعوض نقصاً لديه. لقد دفع ثمناً باهظاً."

 

المشهد الأخير: الصدمة المزدوجة

تجمدت ليلى في مكانها: "من؟ من اشتراها؟" أشار العجوز إلى شاشة معلقة على الحائط تعرض لقاءً تلفزيونياً مباشراً. "ذلك الممثل الصاعد.. يقولون إنه قدم أروع أداء رومانسي في تاريخ السينما مؤخراً، ويقول إن السبب هو (إلهام مفاجئ) نزل عليه بعد أن عاش حياته فارغاً من المشاعر."

نظرت ليلى للشاشة. كان الممثل يتحدث بحماس، وعيناه تلمعان بنظرة حب ولوعة مألوفة جداً. اقتربت من الشاشة وهي تكاد لا تصدق عينيها. إنه هو. إنه "آدم". حبيبها الذي باعت ذاكرته. لقد نسيها هو أيضاً، وجاء إلى نفس المتجر ليبحث عن "الحب" الذي يفتقده، فاشترى بالصدفة البحتة "حبهما" هو! الآن، يقف "آدم" على الشاشة، يعيش مشاعر حبها الجارف له داخل عقله، بينما تقف هي أمامه فارغة، باردة، وعاجزة، تنظر إلى حب حياتها وهو يصف مشاعرها التي لم تعد تملكها. لقد أصبحا غريبين، أحدهما يملك الحب ولا يعرف لمن، والآخر يعرف لمن ولكنه لا يملكه.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mona Khairy تقييم 5 من 5.
المقالات

11

متابعهم

6

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.