الرسالة رقم 100
المشهد الأول: حافة الهاوية
(الرسالة رقم 99)
كان البحر غاضباً اليوم، كأنه يرفض الاستماع للمزيد من شكوكي. وقفتُ عند الصخرة المعتادة، والرياح المالحة تصفع وجهي، محاولةً إيقاظي من غيبوبة الانتظار التي عشت فيها لسنوات.
نظرتُ إلى الورقة التي ترتجف بين أصابعي المتجمدتين. في الزاوية العليا، كتبتُ الرقم بعناية: "الرسالة رقم 99". تسع وتسعون محاولة للوصول إليك. تسع وتسعون صرخة صامتة حشرتُها داخل زجاجات فارغة وألقيتُ بها إلى المجهول.
"هذه هي ما قبل الأخيرة،" همستُ لنفسي، وصوتي يضيع وسط هدير الأمواج. "إذا لم ترد بعد المائة، سأعترف أنك رحلت".
طويتُ الورقة بعناية، قبلتُها قبلة أخيرة وكأنني أودع جزءاً من روحي، ثم حشرتها داخل الزجاجة الخضراء وأحكمتُ إغلاقها بالسدادة الفلينية. رفعتُ يدي، وبكل ما تبقى لي من عزم، قذفتُ الزجاجة بعيداً. راقبتُها وهي تلمع تحت ضوء القمر الشاحب للحظة، قبل أن يبتلعها سواد الماء.
تنهدتُ بارتياح مؤقت، واستدرتُ لأعود أدراجي قبل أن يرتفع المد. لكن، شيئاً ما أوقفني. عند قدمي تماماً، حيث تنحسر الأمواج، كانت هناك زجاجة أخرى. لم تكن زجاجتي التي ألقيتها للتو. كانت قديمة، يكسوها العشب البحري، وكأنها لفظتها أعماق المحيط لتوها.
جثوتُ على ركبتي، وقلبي يقرع طبولاً من الرعب والأمل. هل يعقل؟ هل رد البحر أخيراً؟ بيدين مرتعشتين، انتزعتُ السدادة. ورقة مبللة قليلاً، صفراء من أثر الزمن. فتحتُها على ضوء هاتفي الخافت. جملة واحدة فقط، مكتوبة بحبر أزرق باهت:
"توقفي عن الكتابة.. أنا لم أعد موجوداً."
تسمرتُ في مكاني. الكلمات كانت قاسية، مرعبة، كفيلة بتحطيم قلبي. لكن الرعب الحقيقي لم يكن في المعنى. الرعب الحقيقي بدأ عندما اقتربتُ بالضوء أكثر من الورقة. تلك الانحناءات في حرف الياء.. طريقة رسم التاء المربوطة.. حتى ضغطة القلم على الورق.
شهقتُ بصوت مكتوم وتراجعتُ للخلف حتى اصطدمت بالصخور. هذا الخط ليس غريباً عليّ. إنه خطي أنا!
المشهد الثاني: المرآة الورقية
(الشك واليقين)
دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب خلفي بسرعة، وكأن أمواج البحر التي لفظت تلك الرسالة تطاردني إلى الداخل. رميتُ الزجاجة على السرير، وبيدين ترتجفان، فردتُ الورقة المبللة على سطح مكتبي الخشبي. تحت ضوء المصباح الأصفر الخافت، بدت الكلمات وكأنها تتنفس، تتحرك ببطء وثقل: "توقفي عن الكتابة.. أنا لم أعد موجوداً."
جلستُ على الكرسي، أحدق في الجملة. عقلي يحاول خلق ألف سيناريو منطقي للهروب من الجنون. "لابد أنها مزحة سخيفة،" تمتمتُ بصوت مسموع لأكسر حاجز الصمت المرعب في الغرفة. "ربما رآني أحد الأطفال وأنا أرمي الزجاجات، فقرر أن يسخر مني.. نعم، هذا هو التفسير الوحيد."
لكن شيئاً ما في انحناءات الحروف كان يصرخ بي مكذباً كل تبريراتي. فتحتُ الدرج الأوسط، حيث أحتفظ بدفتر يومياتي القديم.. الدفتر الذي كنت أدوّن فيه مسودات رسائلي قبل أن أنقلها للورق المخصص للزجاجات.
وضعتُ الدفتر مفتوحاً بجانب الرسالة الغامضة. بدأتُ المقارنة، وعيناي تنتقلان بين الورقتين كبندول ساعة مجنون.
نظرتُ إلى حرف "الياء" في كلمة "توقفي".. ذيل الحرف كان طويلاً وحاداً، تماماً كما أكتبه دائماً عندما أكون غاضبة. نظرتُ إلى النقاط فوق الحروف.. أنا لا أضع نقاطاً منفصلة، بل شرطات صغيرة مائلة. والرسالة تحتوي على نفس الشرطات المائلة!
شعرتُ ببرودة تسري من أطرافي وصولاً إلى قلبي. سحبتُ ورقة بيضاء وقلم حبر، وحاولتُ تقليد الخط الموجود في الرسالة. كتبتُ نفس الجملة: "توقفي عن الكتابة". وضعتُ ورقتي الجديدة فوق الرسالة الغامضة ورفعتهما معاً أمام الضوء. انطبقت الكلمات فوق بعضها تماماً.. كأنهما طُبعتا من قالب واحد.
سقط القلم من يدي وتدحرج على الأرض بصوت مكتوم. تراجعتُ بظهري حتى اصطدمت بالحائط، وأنا أحدق في يدي اليمنى برعب. هذه اليد.. هذه الأصابع النحيلة التي أعرفها.. هي من كتبت تلك الرسالة. لكن متى؟ وكيف؟ هل أخرج من جسدي أثناء النوم وأذهب للبحر؟ أم أن هناك شخصاً آخر يعيش داخلي.. شخصاً يعرف الحقيقة التي أرفض أنا تصديقها؟
نظرتُ للمرآة المعلقة أمامي. لم أعد أرى وجهي المألوف، بل رأيت غريبة.. غريبة تعرف سراً قد يقتلني.

المشهد الثالث: الدليل المفقود
(بداية الانهيار)
لم يغمض لي جفن تلك الليلة. بقيتُ جالسة على أرضية غرفتي، والرسالة "رقم 99" والرد الغامض ملقيان أمامي كجثتين هامدتين. صوت الأمواج في الخارج، الذي كان يؤنس وحدتي سابقاً، بات الآن صراخاً متهماً يقرع زجاج نافذتي.
"يجب أن أتأكد.." همستُ لنفسي وأنا أنهض بوهن. إذا كنتُ أنا من كتب الرد، فلا بد أن الورقة جاءت من دفتري. لا بد أن القلم موجود هنا. بدأتُ في نبش غرفتي بهستيريا. أفرغتُ الأدراج، قلبتُ الكتب، ونثرتُ الأوراق القديمة في كل مكان. كنتُ أبحث عن شيء أتمنى ألا أجده.
وفي الزاوية المنسية من الدولاب، تحت كومة من الملابس الشتوية التي لم أرتدها منذ رحيله، لمست أصابعي غلافاً جلدياً خشناً. سحبتُه ببطء. إنه "دفتر الذكريات". الدفتر الذي أقسمتُ ألا أفتحه بعد ذلك اليوم المشؤوم.
كان يعلوه الغبار، وكأن الزمن توقف فوقه. فتحتُه ويداي ترتجفان بشكل لا إرادي. الصفحات الأولى كانت مليئة بصورنا، تذاكر سينما، وبتلات ورد مجففة. ضحكاتنا كانت محبوسة بين الأوراق.
قلبتُ الصفحات بسرعة وصولاً للنهاية. كانت الصفحات الأخيرة فارغة.. بيضاء ناصعة تنتظر حكايات لن تُكتب أبداً. لكن.. مهلاً. توقفتُ عند الصفحة ما قبل الأخيرة. كانت مقطوعة بعنف. حافة الورقة المتبقية كانت مشرشرة وغير منتظمة.
التقطتُ "رسالة الرد" من على المكتب. وضعتُ حافتها الممزقة بمحاذاة بقايا الصفحة في الدفتر. حبستُ أنفاسي. تطابقت الحواف تماماً. كل نتوء صغير في الورقة وجد مكانه، كقطعة بازل مفقودة عادت لموطنها.
صرختُ صرخة مكتومة ورميتُ الدفتر بعيداً كأنه جمرة حارقة. أنا من قطع الورقة. أنا من كتب "أنا لم أعد موجوداً". وأنا من ذهب للبحر ليلقيها، ثم عاد في اليوم التالي ليتظاهر بالمفاجأة! لكن لماذا؟ لماذا أمثل هذه المسرحية على نفسي؟
فجأة، شعرتُ بصداع حاد يضرب رأسي كالمطرقة. ومضة سريعة عبرت ذاكرتي.. صوت مكابح سيارة.. صراخ.. ضوء ساطع.. ثم.. صوته هو وهو يهمس بشيء ما..
جثتُ على ركبتي، ضاغطة على رأسي بكلتا يديّ لأوقف الطنين. الذاكرة تحاول الخروج، والسد الذي بنيته من الأوهام بدأ يتصدع. لم يتبقَ سوى خطوة واحدة. الرسالة رقم 100. هي المفتاح الأخير.
المشهد الرابع والأخير: الرسالة رقم 100
(الوداع الحقيقي)
جلستُ إلى مكتبي للمرة الأخيرة. أمامي ورقة بيضاء، وقلم الحبر الذي جفّ ريقه مثلي تماماً. يجب أن أكتبها. الرسالة رقم 100. لكنها لن تكون له هذه المرة.. بل لي.
وضعتُ سن القلم على الورق. كتبتُ ببطء: "إلى حبيبي الغائب.." وفجأة، بمجرد أن خطت يدي كلمة "الغائب"، انهار السد المنيع داخل رأسي. اختفت جدران غرفتي.. اختفى صوت البحر الهادر.. وحل مكانه صرير عجلات مرعب ورائحة مطاط محترق.
رأيتُ الوميض الساطع مرة أخرى. لم يكن ضوء منارة، بل كان ضوء شاحنة فقدت السيطرة. رأيتُه.. هناك، ملقى على الأسفلت البارد، والدم يصبغ قميصه الأبيض الذي أحببتُه. كنتُ أصرخ باسمه، أهزه بعنف، وأتوسل إليه ألا يرحل. وآخر ما قاله لي بصوت مخنوق قبل أن تغيب عيناه للأبد لم يكن "أحبك".. بل كان: "عديني أن تكملي حياتك.. أنا لم أعد موجوداً."
سقط القلم من يدي، وتدحرجت الدموع ساخنة على وجنتي. لقد مات. مات منذ ثلاث سنوات. لكن عقلي رفض التصديق. خلقتُ هذا الوهم.. "السفر"، "الغياب"، "الرسائل في الزجاجة".. كلها كانت مسكنات لألم لا يُحتمل. أنا من كان يخرج كل ليلة في حالة من اللاوعي، أمشي كالموتى السائرين إلى الشاطئ، أبحث عن زجاجاتي وأمزقها، ثم أكتب الردود لنفسي لأجبر نفسي على التذكر.. لأجبر نفسي على التوقف.
الرسالة التي وجدتها لم تكن منه. كانت صرخة من عقلي الباطن، تتوسل لوعيي أن يستيقظ قبل أن أغرق في الجنون تماماً.
نظرتُ للورقة البيضاء أمامي. مسحتُ دموعي، وأمسكتُ القلم بيدي المرتجفة، لكن هذه المرة بعزم جديد. أكملتُ الرسالة رقم 100. لم تكن طويلة. لم تكن عتاباً أو شوقاً.
كتبتُ فقط: "الرسالة رقم 100: وداعاً يا حبيبي. اليوم، سمحتُ لك بالرحيل."
طويتُ الورقة. لم أضعها في زجاجة. لم أذهب للبحر. فتحتُ نافذة غرفتي، وتركتُ الرياح تحمل الورقة بعيداً نحو السماء، لا نحو الماء. راقبتُها وهي تختفي في العتمة، وشعرتُ لأول مرة منذ سنوات أن الهواء يدخل رئتي حقاً. لقد انتهت الرسائل.. وبدأت حياتي.