صدى الأمعاء: لعنة الصمت الجائع

صدى الأمعاء: لعنة الصمت الجائع

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about صدى الأمعاء: لعنة الصمت الجائع

لعنه الصمت الجائع

لم يكن "آدم" يبحث عن الأشباح، كان يبحث عن شيء أكثر رعباً: العدم. كمهندس صوتيات مهووس، أنفق آدم مدخرات عمره لاستئجار قبو قديم تحت قلعة منسية في ريف "أراران". القبو صُمم جدرانه من مادة الرصاص والفلين المضغوط، مما يجعله المكان الوحيد على الأرض الذي تبلغ فيه نسبة الضجيج 0 ديسيبل.

في اللحظة التي أُغلق فيها الباب الحديدي، شعر آدم بضغط هائل على طبلة أذنه. الصمت هنا ليس هدوءاً؛ إنه كتلة مادية تضغط على جمجمتك. بدأ آدم بتشغيل أجهزة التسجيل المتطورة، ميكروفونات حساسة يمكنها التقاط دقات قلب نملة على بعد أميال. لكنه لم يكن يريد سماع النمل، كان يريد سماع "صوت الكون وهو يتنفس".

في الليلة الثالثة، حدث شيء غير منطقي. بينما كان آدم يرتدي سماعاته الاحترافية، سمع صوتاً يشبه احتكاك الورق المقوى. نظر إلى شاشة التذبذبات، كانت الخطوط مستوية تماماً.

لا يوجد أي تردد.

ومع ذلك، الأذنان لا تكذبان. الصوت كان ينبعث من داخل رأسه، أو ربما من الفراغ نفسه. بدأ آدم يسجل ملاحظاته الصوتية: “الساعة 03:00 صباحاً. أسمع صوتاً يشبه المضغ. الأجهزة لا تلتقط شيئاً. ربما بدأت الهلاوس السمعية الناتجة عن الحرمان الحسي.”

لكن الأمر لم يتوقف عند الهلاوس. عندما حاول آدم أن يسعل ليريح حنجرته، لم يخرج صوت. فتح فمه، دفع الهواء بقوة، لكن الفراغ حوله "ابتلع" الموجات الصوتية قبل أن تغادر شفتيه. سقطت الكأس من يده على الأرض الرخامية، ارتطمت بقوة، لكنها تحطمت في صمت جنائزي تام.

بدأ الذعر يتسلل إلى أوصال آدم. أدرك أن هذا المكان ليس مجرد غرفة معزولة، بل هو "مصيدة ترددات". هناك كيان ما، شيء لا يُرى ولا يُلمس، يسكن في هذا الصمت. هذا الكيان لا يأكل اللحم، بل يأكل الاهتزازات.

عندما نظر آدم في المرآة الصغيرة، لاحظ شيئاً أرعبه؛ ملامح وجهه بدأت "تبهت" بصرياً، كما لو أن بكسلات وجهه تُسحب من مكانها. اكتشف الحقيقة المروعة: المادة في هذا الكون هي في الأصل اهتزازات ذرية، وإذا قام الصمت بامتصاص الاهتزاز، تلاشت المادة.

حاول الصراخ، لكنه لم يشعر حتى بذبذبة أحباله الصوتية. بدأت أصابعه تتلاشى، تتحول إلى ضباب رمادي صامت. كان الصمت "يأكله" جزيئاً جزيئاً.

الفصل الرابع: سيمفونية التحلل

أصبح القبو الآن مسرحاً لعملية إعدام فيزيائية. الجدران بدأت تضيق، ليس مكانياً، بل حسياً. شعر آدم بأن ذكرياته نفسها، التي هي عبارة عن نبضات كهربائية (ترددات عصبيّة)، بدأت تُسحب منه. نسي اسم أمه، نسي ملمس المطر، نسي كيف يبدو صوت الضحك.

في محاولة يائسة، أمسك آدم بجهازه الصوتي الأخير، وقام بضبط مولد الترددات على أقصى درجة، محاولاً خلق "انفجار صوتي" لكسر هذا الجوع. لكن الكيان كان أسرع. شعر آدم ببرودة شديدة تخترق صدره، ورأى ظلاً أسود لا لون له، مجرد "ثقب في الواقع"، يخرج من زاوية الغرفة.

الكيان لم يكن له وجه، كان عبارة عن فم واسع يمتد بعرض الفراغ، يمتص كل ذبذبة ضوئية وصوتية. في تلك اللحظة، أدرك آدم أن هذا هو "العدم المطلق" الذي كان يبحث عنه، وأنه الآن سيصبح جزءاً منه.

في الصباح التالي، جاء صاحب القبو ليتفقد المستأجر. فتح الباب الحديدي الثقيل. كانت الغرفة فارغة تماماً. لم يكن هناك أثر لآدم، ولا لأجهزته، ولا حتى لملابسه.

لكن، كان هناك شيء واحد غريب. في منتصف الغرفة، كان الميكروفون الحساس لا يزال قائماً، موصلاً بجهاز تسجيل يعمل بالبطارية. ارتدى صاحب القبو السماعات وضغط على زر التشغيل.

لم يسمع صوتاً. لكنه شعر بألم حاد في أذنيه، وكأن شيئاً يحاول الخروج من السماعات ليدخل إلى دماغه. ثم، ببطء شديد، سمع همساً مرتعشاً، صوتاً يبدو وكأنه يأتي من مسافة تريليونات السنين الضوئية، صوت آدم وهو يقول كلمة واحدة كررها لآلاف المرات في ثوانٍ معدودة:

“أنا.. أهتز.. إذن.. أنا.. غير.. موجود..”

وفجأة، انقطع الصوت، وتحول الجهاز بين يدي الرجل إلى غبار رمادي صامت، واختفى الضوء من الغرفة تماماً، رغم أن الشمس كانت في كبد السماء. لقد وجد الصمت طريدة جديدة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
medo777 صحفي تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.