ليلة الرعب عند بئر الجميز: هل قمنا بقتل "كائن" غير بشري؟
ليلة الرعب عند بئر الجميز: هل كان ما سمعناه حقيقة أم مجرد وهم مرعب؟
بداية ليلة عادية تحولت إلى كابوس لا يُطاق
في إحدى الليالي الصيفية المعتادة، كنا نعمل كعادتي أنا ومجموعة من أقرب أصدقائي في مزرعة دواجن نائية ومعزولة عن أضواء المدينة الصاخبة. كانت مهمتنا الأساسية شاقة ومتعبة؛ حيث قمنا بتح تحميل أعداد هائلة من الدواجن ونقلها إلى سيارات التجار حتى منتصف الليل تمامًا.
خرجنا جميعًا ونحن نجر أجسادنا من شدة الإرهاق والتعب العضلي والنفسي، وبعد أن اغتسلنا وأخذنا قسطًا من الانتعاش، اتفقنا على أن أفضل طريقة لختام هذه الليلة الشاقة هي الذهاب في رحلة صيد سمك هادئة عند الترعة المجاورة. كان صيد السمك هو شغفنا وهوايتنا المفضلة التي تمنحنا صفاء الذهن وراحة النفس بعد أيام العمل الطويلة.
توجهنا إلى الترعة وقناديل الصباح لم تظهر بعد، ومعنا كمية ضئيلة للغاية من الطعم القديم. لم نكن نتوقع بتاتًا أن يحالفنا الحظ بهذه السرعة البالغة؛ فبمجرد أن ألقينا سناراتنا في مياه الترعة المظلمة، بدأ السمك يتسابق بشراسة على الطعم وكأننا في يوم استثنائي وغير مسبوق. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى امتدت سلالنا وامتلأت عن آخرها بالأسماك، ونفد الطعم بالكامل من بين أيدينا.
فكرة عابرة أعادتنا إلى أكثر الأماكن وحشة وخوفًا
شعرنا بحماس طاغٍ ونشوة غريبة عندما أدركنا أننا لو حصلنا على المزيد من الطعم، لتمكنا من ملء سلال أخرى إضافية. في تلك اللحظة، تقدم أحد أصدقائنا مؤكدًا أنه يعرف مكانًا قريبًا جدًا وجد فيه كميات هائلة من الطعم في نفس اليوم وقت العصر. قال إن المكان لا يبعد عنا أكثر من خمسمائة متر فقط. دون تردد، حملنا فأساً حديدياً وكشافاً يدوياً قوياً، وانطلقنا خلفه في الظلام، غير آبهين بأن تلك الخطوات العشوائية ستقودنا تدريجيًا إلى أكثر ليلة رعب وقسوة عشناها طوال حياتنا.
عندما اقتربنا من الموقع المقصود، انقلبت مشاعر الحماس لدينا رأسًا على عقب وتحولت إلى شعور مقبض بالرهبة؛ فقد كان المكان غارقًا في ظلام دامس ورهيب، تتوسطه شجرة جميز عملاقة قديمة متناهية الضخامة، تمتد أغصانها العتيقة في كل الاتجاهات وتشابك كأنها أيدٍ شريرة تخفي أسرارًا مرعبة. وتحت ظلالها الكثيفة، كان هناك بئر قديم عميق مليء بالماء الراكد، وبجواره ماكينة زراعية مهجورة ومجرى مائي صغير جاف. كانت الأجواء المحيطة بالمكان تبعث على القلق والتوتر الشديد منذ اللحظة الأولى لوصولنا.
البحث عن الطعم والمفاجأة المروعة تحت الحجر
بدأنا نمشط المكان ونبحث في كل شبر حول شجرة الجميز، لكننا لم نجد أي أثر للطعم الذي تحدث عنه صديقنا، فتعجبنا كثيرًا خصوصًا أنه أقسم بالله مغلظة أنه جمع منه الكثير هنا قبل ساعات قليلة. وبعد بحث طويل ومضنٍ تحت ضوء الكشاف الشاحب، لاحظنا وجود حجر ضخم وثقيل يغطي بداية المجرى المائي الجاف. تعاونا بحذر على إزاحة الحجر، وكانت النقطة الفاصلة؛ حيث وجدنا تحته عددًا قليلاً من الديدان (الطعم)، والأهم من ذلك، أننا عثرنا على ثعبان صغير جدًا لا يتجاوز طوله خمسة عشر سنتيمترًا، يلتف حول نفسه في خوف.
حملنا الطعم بحذر وتركنا الثعبان الصغير في حاله كي يبحث عن طريق للهرب في الأعشاب. لكن أحد أصدقائنا تمسك برأي غريب ومصرّ؛ حيث قال بصوت صارم إنه يجب قتله فورًا حتى لا يتربى ويكبر ليؤذي أي إنسان يقترب من المكان. اعترضنا جميعا ورفضنا بشدة، راجين منه أن يتركه وشأنه لكونه كائنًا ضعيفًا وصغيرًا ولن يسبب لنا أي ضرر. للأسف، لم يستمع لصوت العقل، وأصر بعناد على مطاردته بينما كنا نضيء له الطريق المظلم بكشاف الضوء.
الصوت المرعب الذي جمد الدماء في العروق
استمر الثعبان الصغير في الهرب بين الحشائش والأعشاب الميتة بسرعة، حتى تمكن صديقنا أخيرًا من اللحاق به وهوى عليه بالفأس بضربة قوية على رأسه أردته ميتاً في الحال.
ولكن، في اللحظة نفسها التي فاضت فيها روح الثعبان الصغير، انطلق فجأة من داخل أعماق البئر المهجور صوت مرعب ومخيف لم أسمع مثله طوال حياتي ولا حتى في الكوابيس! كان صوتًا أشبه بصراخ بشري مرعب، ممتلئًا بغضب عارم وحزن عميق في آن واحد. صوت جعل الدماء تتجمد في عروقنا وتوقفنا عن التنفس تمامًا.
وجهنا ضوء الكشاف بكل الاتجاهات وبحثنا برعب شديد حول الشجرة، وحواف البئر، والماكينة الزراعية القديمة، فلم نجد أي إنسان أو أي حيوان يمكن أن يكون مصدرًا لذلك الصراخ الجانزي. والأكثر رعبًا أن الصراخ لم يكن عابرًا؛ بل كان يتكرر مرة بعد أخرى، يعلو ويزداد حدة وقوة، ثم يخفت لثوانٍ معدودات قبل أن يعود من جديد بصوت أشبه بالهدير، بطريقة أصابتنا بالشلل التام وجعلتنا غير قادرين على تحريك حتى أصابع أيدينا.
الهروب العاصي والخروج بأعجوبة من أرض اللعنة
تملكنا اليأس والخوف المطلق، وبدأت أجسادنا ترتجف بقوة وعنف حتى إن الكشاف كاد يسقط من يدي. لم يعد أحد منا يمتلك القدرة على التفكير. وسط هذه اللحظات العصيبة، اقترح أحد الشباب بصوت متقطع أن نشرع فورًا في قراءة آية الكرسي وما تيسر لنا حفظه من القرآن الكريم. ظللنا نردد الآيات بصوت مرتجف ونحن واقفون متسمرين في أماكننا بجوار الشجرة، حتى شعرنا تدريجيًا أن ذلك الصوت المرعب بدأ يضعف وينحسر ببطء، رغم أنه لم يختفِ تمامًا.
في تلك اللحظة، تشابكت أيدينا بقوة، وتحركنا ببطء شديد وبأعصاب منهارة نحو طريق الخروج المؤدي بعيدًا عن البئر. لم يجرؤ أي منا على الالتفات خلفه ولو للحظة واحدة خوفًا مما قد تراه أعيننا في الظلام. وما إن تجاوزنا حدود البقعة المرعبة حتى أطلق العنان لأرجلنا، وركض كل واحد منا بأقصى سرعة ممكنة دون توقف حتى بلغنا مزرعة الدواجن. جلسنا جميعًا على الأرض نلتقط أنفاسنا بصعوبة بالغة، بينما كانت ملامح الصدمة والرعب مطبوعة بوضوح مرعب على وجوهنا جميعًا.
هل كان ما حدث حقيقة أم مجرد وهم بشري؟
بعد ساعات طويلة، وبعد أن هدأت أنفاسنا المتسارعة وجلسنا نتداول أطراف الحديث عما جرى، بدأ كل منا يروي بدقة ما رأه وشعر به في تلك الليلة المشؤومة. حينها، تذكرنا كلمات قالها لنا أحد كبار السن في القرية قبل سنوات، عندما ذكر أن بعض الكائنات الروحية والجن قد تتشكل في هيئات بعض الحيوانات، وخاصة الثعابين.
ومنذ تلك الليلة المظلمة، ترسخ تمامًا في أذهاننا أننا لم نقتل مجرد ثعبان عادي، بل ربما تسببنا في أذى لكائن غامض كان يتشكل في هيئة ذلك الثعبان الصغير، وأن الصوت المرعب والمدوي الذي خرج من أعماق البئر كان هو الانتقام الخفي لكل ما عشناه من رعب وهلع.
وحتى يومنا هذا، وبعد مرور سنوات طويلة، لا أستطيع الجزم بالحقيقة الكاملة العقلانية لما حدث؛ لكن تلك الليلة بقيت محفورة بحوافر من نار في ذاكرتي ولن أنساها ما حييت، وكانت بلا شك هي المرة الأخيرة التي نفكر فيها مجرد التفكير بالاقتراب من ذلك المكان المرعب والمحفوف بالأسرار.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق